التنازل عنها بمبلغ مالي، على القول بأنها من هذا النوع فإنه تجوز المعاوضة عنها، وتكيف على أنها مصالحة عن حق بمبلغ مالي حملًا لصاحبه على التنازل عنه.
القول الثاني: إن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري لا تجوز قبل بناء المسكن ونزول القرض، وهذا الاحتمال قد قيل به، فإليه ذهب شيخنا الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين (1) _رحمه الله_، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2) في المملكة العربية السعودية.
ويمكن أن يستدل لأصحاب هذا القول بأدلة، منها:
أولًا: أن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري لا تجوز؛ لأنها من المعاوضة عما لا يملك المعاوض، وبيع ما لا يملك الإنسان لا يجوز، فهي مثل المعاوضة عن حق التحجر في عدم الجواز (3) .
ويناقش هذا القول: بأن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري ليس معاوضة عن ذات القرض أو البناء الذي سيقام مستقبلًا بسبب هذا القرض، وإنما هو معاوضة عن حق الإنسان في التقدم، وبين الأمرين فرق واضح، فلو كان المقصود الأمر الأول لم تجز المعاوضة، ومما يدل على أن المعاوضة ليست عن القرض المبلغ المدفوع؛ فلو كانت معاوضة عنه لأخذ المعاوض مبلغًا أكبر.
ثانيًا: أن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري تتضمن الوقوع في ربا الفضل والنسيئة؛ ذلك أن المعاوض عن حق ا لتقدم عاوض عن القرض الذي يدفعه الصندوق بمبلغ أقل وهو ما دفعه لصاحب القرض، فمثلًا لو قدر أنه عاوض عن حق التقدم بأربعين ألفًا، فهو قد دفع أربعين ليأخذ ثلاثمائة ألف ريال عند نزول اسم صاحب القرض، وهذا وقوع في نوعي الربا.
ويناقش هذا القول: بأن المعاوضة الحاصلة هنا ليست معاوضة نقد بنقد، وإنما معاوضة بين نقد وحق، وهو حق المتقدم في تقدمه للاقتراض من صندوق التنمية، كما قيل في المناقشة للدليل السابق، إن المعاوضة ليست معاوضة عن ذات القرض حتى تصبح معاوضة نقد بنقد آخر، ولا شك أن بينهما فرقًا، وهو أيضًا فرق دقيق؛ لأن المتقدم في حال المعاوضة عن الحق لا يملك مبلغ القرض، وإنما يملك حق التقدم فعاوض عنه بالتنازل به لغيره.
ويقال أيضًا: لو كانت المعاوضة معاوضة نقد عن نقد لكان المبلغ المدفوع كبيرًا؛ فإنه من غير المعقول أن يدفع الإنسان ثلاثين ألف ريال مثلًا ليحصل على ثلاثمائة ألف، مما يدل على أن المعاوضة واقعة بين العوض والحق.
ثالثًا: أن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية غرر بيِّن؛ لأن المعاوض عن هذا الحق بين أمرين: إما أن يخرج الاسم وينزل القرض فيكون المعاوض غانمًا، وإما ألا يخرج الاسم فيكون غارمًا، ومعلوم أن الغرر منهي عنه شرعًا، كما في حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_، أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ (نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم، وإذا كان العقد يتضمن غررًا فإنه عقد محرم، إذن فالمعاوضة عن حق التقدم لا تجوز.
ويناقش هذا القول بالمنع من وجود الغرر في المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري فلا غرر فيه البتة؛ لأن المعاوضة ليست واقعة بين العوض والقرض، بل المعاوضة واقعة بين العوض والحق، وحق التقدم لا غرر فيه؛ لأن الحق المعاوض عنه معلوم بيِّّن، بغض النظر هل يخرج الاسم أو لا يخرج؟
رابعًا: أن في المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري تقدمًا على حق الغير؛ لأن المتقدمين لطلب القرض كل واحد منهم له مرتبة لا يتعداها ولا يتأخر عنها، فإذا عاوض شخص من خارج المتقدمين عن حق أحدهم فمعناه أنه تقدم على من بعد من نزل منزلته؛ لأن هذا المعاوض جاء من خارج الترتيب، ذكره شيخنا ابن عثيمين في تعليقه على (الكافي) .
ويناقش هذا القول بعدم التسليم أن في المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية العقاري تقدمًا على حق الغير؛ لأن كل واحد ممن هو في سلم الترتيب في مكانه لم يتأخر عنه، فمثلًا لو قدر أن صاحب التقدم رقم (3) في الترتيب وعاوضه شخص ونزل منزلته، فإن رقم (4) (5) وهلم جرا كل في محله لم يتأخر عنه، وإنما حل هذا المعاوض محل من عاوضه.
الراجح:
الذي يظهر لي - والله أعلم بالحق - أن المعاوضة عن حق التقدم لصندوق التنمية معاوضة جائزة؛ لما تقدم من أدلة دالة على الجواز، وهذه الأدلة لا معارض لها؛ لأن المعاوضة هنا من قبيل المعاوضة عن الحق الذي قد عده الناس مالًا وتمولوه فيما بينهم،
لكن يبقى النظر في واقع هذه المسألة بالنسبة لتنظيمات الدولة الخاصة بالصندوق، وبالنظر فيها يتبين ما يأتي:
أن بعض الدول قد منعت من التنازل حتى يستلم المستقرض آخر دفعة من الدفع المقدمة لبناء المسكن، ثم يقوم المتنازل له أو المستقرض بتسديد قسطين من أقساط الصندوق، وبعد ذلك يتم نقل القرض باسم المتنازل