الصفحة 33 من 3592

تواريخهم لاهل الدولة وأبناؤها متشوفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لابناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبية الدولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله واما حين تباينت الدول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصة ونسب الدول بعضها من بعض في قوتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الامم أو يقصر عنها فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الابناء والنساء ونقش الخاتم واللقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين الاقدمين والذهول عن تحري الاغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم وعفت عن الملوك أخبارهم كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الاخشيدي وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والاشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك.

ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أن التاريخ إنما هو ذكر الاخبار الخاصة بعصر أو جيل فأما ذكر الاحوال العامة للآفاق والاجيال والاعصار فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره وقد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب شرح فيه أحوال الامم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة غربا وشرقا وذكر

نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرخين يرجعون إليه وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصة دون غيرها من الاحوال لان الامم والاجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغير وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الاوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت