الصفحة 34 من 3592

شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الامم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الارض بانتقاض البشر فخربت الامصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالاجابة والله وارث الارض ومن عليها وإذا تبدلت الاحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لاهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في

التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الاقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه وأن الاخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكر المغرب قصر في استيفاء أحواله وفوق كل ذي علم عليم ومرد العلم كله إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعين واجب ومن كان الله في عونه تيسرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التأليف والله المسدد والمعين وعليه التكلان وقد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا إعلم أن الحروف في النطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيات الاصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع الحنك والحلق والاضراس أو بقرع الشفتين أيضا فتتغاير كيفيات الاصوات بتغاير ذلك القرع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت