أحسست أن البيت أصبح خرابة تنعق من أجوانه الغربان أو أن هناك من يندب بداخله أو ينوح.
أحسست أن الجدران لم تعد تلك الجدران التي كانت ألوانها زاهية كنت أرى أن الباب ينفتح أحد مصراعيه وكنت أتخيّل رأس عجوز يخرج منه بشعر أبيض. كنت أتخيل ان كل شعرة من رأسها واقفة بمفردها .
كنت أتخيلها تسخر مني وتضحك ضحكات متتالية جهورية بصوت تقشعر له الأبدان ثم تفغر فاها وتلملم شفتاها وتغلق الباب ثم تعود تفتحه.
كنت أتخيل تلك الحركات من نفس المكان الذي كنت أرى علياء تخرج رأسها منه عندما كانت تودعني إذا خرجت من بيتهم ...
لم يقطع تلك التخيلات إلا مرور عجوز من القرية بذلك المكان عندما وجدتني ذاهلا.
-كيف حالك يا علي ...متى خرجت ؟
-أمس ..
-لا توقف هنا إن شاء الله إن الله يعوّضك أحسن منها.
- (أحسست بغصة فلم أستطع أن أرد بكلمة واحدة وأحسست أنني أريد أن أبكي)
-تعال معي عمك أبو ناصر في البيت. تعال تقهو معه.
-لا .... شكرا أريد أن أعود إلى البيت .
-عمك أبو ناصر سيفرح عندما يراك ...هيا روح معي ..
-شكرا ... بعدين أمر عليه ..
-إذا لاتبقى هنا .. لايضحك عليك اللي ما يسواك ..هو اللي خلقها ماخلق غيرها ... يمكن إن الأمر خيرة لك من الله ..
هذا مكتوب عليك والمكتوب على الإنسان يمضي ... هيا امش توكل على الله ..
-جزاك الله خير ....
أحسست بقرب تلك العجوزمن قلبي وتذكرت أمي يرحمها الله فقد كانت صديقتها وكم كنت أراها تجيء إلى بيتنا وكانت أمي ترتاح للجلوس معها وأحسست أن كلامها يدخل إلى قلبي مباشرة دون أن يمر بأذني ... وتخيلت أن هذا الكلام صادرا من أمي
عدت الى البيت واستلقيت على فراشي وأخذت أبكي بدموع أحسها تخرج من عيني كالجمر لا أدري كان ذلك للعطف الذي وجدته عند تلك العجوز ... أو لذكرى أمي أو للأقدار التي ساقتني إلى هناك.