ونستنتج مما تقدم أن بداية حركة الإنشاء الحقيقية كانت في أيام أبي جعفر المنصور, فقد تكونت في وقته المبادئ الأساسية لعلمي الطب والفلك. ولكن هذه الحركة لم تصبح حركة علمية بحق إلا في النصف الأول من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي, أي في عصر المأمون (198 هـ / 813 م . 218 هـ / 833 م) والخلفاء الذين تلوه في القرن الثالث. لكن مد ة حكمه هو كانت الحاسمة في توجيه الحركة وتوضيح دوافعها ومكوناتها ومصادرها.
أ ـ فأما الدوافع فيمكن تبينها من جملة من مظاهر النشاط العلمي , وأهمها أربعة:
الترجمة: وقد رأينا أنها بدأت في زمن أبي جعفر المنصور بنقل بعض المؤلفات الفلكية. وقد اتسع مداها في النصف الأول من القرن الثالث فشملت مختلف مجالات المعرفة وخاصة التي انتقلت من الإرث اليوناني. فقد عرفت في هذا الوقت أسماء كبار المترجمين, مثل حنين بن إسحاق (ت. 260 هـ / 873 م) وثابت ابن قرة الحراني (ت. 288 هـ 901 م) وإسحاق بن حنين (ت. 298 هـ / 910 م) وقسطا بن لوقا البعلبكي (ت. حوالي 300 هـ / 912 م) , واشتهرت ترجمات أهم الآثار اليونانية مثل كتب أرسطو في الفلسفة وكتب ابقراط وديوسقريديس وجالينوس في الطب والصيدلة وكتب بطلميوس في الفلك وكتب إقليدس وارشميدس في الهندسة.
(2) بيت الحكمة: وقد أسسه ببغداد المأمون سنة 215 هـ / 830 م, وهو الذي دعم حركة الترجمة وخاصة بالمكتبة التي ألحقت به وجمعت فيها الكتب اليونانية المستجلبة من أصقاع كثيرة سواء من داخل الدولة الإسلامية أو من خارجها مثل بلاد الروم وآسيا الصغرى, وقد أرسلت من أجل ذلك البعثات العلمية.