فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 56

قد عنينا في فقرات البحث السابقة بالحديث في جملة من الخصائص والمظاهر ميزت إسهام المسلمين في حركة العلم البشري, وخاصة من حيث ابتكاره والإسهام في وضعه, أي من حيث المشاركة في تقدم الحضارة الإنسانية. ولقد كانت ملابسات كثيرة قد أحاطت بالدور العربي الإسلامي في تلك الحركة; فإن الدور العربي لم ينشأ من عدم بل سبقته حركة سميناها حركة إنشائية هي التي أقامت الأسس الحقيقية لحركة الابتكار, وقد أسهم في تكوين حركة النشأة الدولة والعلماء العجم ثم العرب الذين شاركوا جميعا في الترجمة وفهم النصوص المترجمة و"توطين"المفاهيم التي تحملها ثم في التأليف العلمي. وقد امتدت حركة الابتكار قرونا طويلة قد أظهر فيها المسلمون في المشرق وفي المغرب على السواء ضروبا من البراعة في التفكير والتحليل والاستنتاج وصوغ النظريات وتصور التطبيقات لها في العلوم التي تقبل التطبيق, وقد حاولوا في جل الحالات أن يربطوا العلم بالغاية منه فلم يكن عندهم نظريا خالصا بعتنى به من أجل الرياضة الفكرية بل كانت"المنفعة العامة"من أهم أهدافهم. ولكن حركة الابتكار لم تعرف من دعم الدولة ما عرفته حركة الإنشاء, فإن الدولة الإسلامية القوية التي كانت عاصمتها ـ بغداد ـ عاصمة العالم أثناء حركة الإنشاء قد تقطعت أوصالها وتجزأت إلى دويلات تغلب عليها العصبيات الأعجمية وتهددها المطامع الأجنبية وخاصة مطامع الصليبيين, سواء باسم الدين أو باسم العرق والجنس. ولذلك فإن العلماء كانوا يعملون في الغالب بمفردهم أو مع تلاميذهم ولايجدون من الظروف المادية الملائمة ما يجعلهم يصرفون الجهد والوقت للبحث العلمي والمواظبة عليه. ولقد حدثنا عمر الخيام عن شيء من ذلك في عصره حين قال:"ولم أتمكن من التجرد لتحصيل هذا الخير والمواظبة على الفكر فيه لاعتراض ما كان يع وقني عنه من ظروف الزمان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت