على أن النظر المعمق في إسهام العرب في العلوم الرياضية يدل على أن بداية تميزهم سابقة لثابت بن قرة وترجماته. فإن من أهم العلماء الرياضيين العرب الذين أثروا في الثقافة الإنسانية تأثيرا عميقا هو أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي (ت. بعد 232 هـ / 846 م) الذي كان كتاباه"الجبر والمقابلة"و"الجمع والتفريق"ـ وقد ترجما إلى اللاتينية في وقت مبكر ـ أساس علم الحساب في أوروبا حتى عصر النهضة الحديثة; على أن الكتاب الأول ـ أي الجبر والمقابلة ـ كان أعمق أثرا, وهو لذلك يستحق أن يتصدر القول في مظاهر ريادة الحضارة الإسلامية في علم الرياضيات.
أ ـ في علم الجبر:
وكتاب"الجبر والمقابلة"للخوارزمي في ثلاثة أقسام: (1) في النظام العشري , والمعادلات التي قدمها الخوارزمي ـ وعددها ست ـ قد حلها هندسيا, وضروب العمليات الحسابية الأساسية وهي الضرب والجمع والطرح أو النقصان والقسمة, ثم المعاملات وقد اهتم فيه الخوارزمي بمسائل الجبر النظري ; (2) في المساحة, ويحتوي هذا القسم على ضروب المساحات كمساحة المثلث والمعين والمعين والدائرة وحجم الهرم الثلاثي والهرم الرباعي والمخروط. وقد ذكر الخوارزمي أنواع المربعات والمثلثات وحدد طريقة الحصول على مساحة كل منها; (3) الوصايا وهو أدخل في باب المواريث أي الفرائض الشرعية. وهذا القسم يعطي الكتاب بعدا اجتماعيا لأنه يصل العلم . بالمصلحة العامة . فإن أثر"المعاملات"في الكتاب ظاهر لكن الخوارزمي قد وجه اهتمامه إلى مسائل الجبر النظرية باعتباره علما قائما على المعادلات.
وقد كانت لهذا الكتاب آثار في تطوير الرياضيات العالمية, وخاصة من حيث:
(1) إدخال الأعداد العربية إلى الغرب الأوروبي قد عوض استعمال الحروف الرومانية في الحساب .
(2) استعمال الصفر مع الأرقام العربية والاقتصار بذلك على عشرة رموز لتمثيل جميع الأعداد .