وقد أخذ الأطباء العرب مجمل آرائهم في القسمين الكلي والجزئي أو النظري والعملي من الطب الإبقراطي والجالينوسي, مع تفاوت في اعتماد المصدرين. لكن من الظلم لهم أن نقول إنهم قد انحصروا في النموذجين الطبيين اللذين ذكرنا وأنهم كانوا يكتفون بالنقل عن الأصول. فإن المبادئ العامة والأسس النظرية كانت يونانية, لكن تناول العلم بالممارسة والتطبيق قد أدى إلى إخراجه من العلم القياسي النظري القائم على الاستدلال والبرهنة العقلية إلى العلم التجريبي القائم على المشاهدة والملاحظة العلمية. وهذا الانتقال هو الذي مكن بعض الأطباء من الخروج عن النموذج الجالينوسي الخالص والإسهام بتصورات جديدة في تطور العلم. ونريد أن نخص من المجالات التي برزت فيها الجدة ثلاثة:
أ ـ في الجراحة:
لم تكن الجراحة ـ عامة ـ من المباحث الأساسية في الطب الجالينوسي على ما أقره الاسكندرانيون على الأقل , فهي من الطب العملي, بل هي في الطب العملي من باب"أعمال اليد"الذي كان يعد من"أعمال الخدام للطبيب", ولذلك قل الاهتمام بمسائل الجراحة في المؤلفات الطبية العامة إذ كاد الذين عنوا بأعمال اليد لا يخرجون عن"جبر الكسور"والفصد والحجامة والكي والبط . ولا شك أن أول من عنى بها عناية حقيقية هو أبو القاسم الزهراوي.
فقد خص الزهراوي الجراحة بمقالة تامة مستقلة هي المقالة الثلاثون من كتابه"التصريف لمن عجز عن التأليف". والمقالة الثلاثون هذه ليست ـ كما يلاحظ ـ كتابا مستقلا بل هي أيضا جزء من كتاب, ولكن جدة القول فيها قد جعلت الزهراوي يخالف سابقيه ـ بل ولاحقيه أيضا من المسلمين القدامى ـ في هذا الباب.