وأما معرفة أحوال النباتات الطبية بالمعاينة والمشاهدة فقد كانت تسمى التعشيب, وتسمى حسب الاصطلاح الحديث البحث الميداني. وقد كان الأطباء الصيادلة يخرجون إلى ظاهر المدن إما بمفردهم وإما صحبة طلبتهم لدراسة النباتات في مظانها ليتحققوا من ماهياتها ويدققوا حلياتها ويعرفوا أزمنة نباتها ومواضعه ويفرقوا بينها تفريقا يمنع الخلط بينها إذا استعملت. ومن أطرف أمثلة التعشيب في تاريخ علم الصيدلة عند العرب ما كان يقوم به رشيد الدين بن الصوري في النصف الأول من القرن السابع الهجري, فقد سلك في معرفة النبات طريقة فذة صورها لنا ابن أبي أصيبعة بقوله:"وكان يستصحب مصورا ومعه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها, فكان يتوجه إلى المواضع التي بها النبات مثل جبل لبنان وغيره من المواضع التي قد اختص كل منها بشيء من النبات. فيشاهد النبات ويحققه ويريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله ويصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها. ثم إنه سلك أيضا في تصوير النبات مسلكا مفيدا وذلك أنه كان يري النبات للمصور في إبان نباته وطراوته فيصوره; ثم يريه إياه أيضا وقت كماله وظهور بزره فيصوره تلو ذلك; ثم يريه إياه أيضا في وقت ذواه ويبسه فيصوره. فيكون الدواء الواحد يشاهده الناظر إليه في الكتاب وهو على أنحاء ما يمكن أن يراه به في الأرض فيكون تحقيقه له أتم ومعرفته له أبين".
فتلك نماذج من الاختبار العلمي دالة على أن العلماء المسلمين كانوا لا يثقون كل الثقة فيما يصلهم من علم القدامى والمحدثين بل كانوا يخضعونه للتجربة والاختبار, وقد مكنتهم التجربة من تصحيح ما استقر من علم سابق واكتشاف الجديد من العلم بحسب ما آتتهم الظروف المحيطة والوسائل المعتمدة, وفي ذلك الجديد الذي اكتشفوا تتمثل مظاهر من ريادتهم في العلم, تضاف إلى الخصائص التي ذكرنا عن مرحلة الابتكار.
3 ـ مظاهر من الريادة العلمية أثناء مرحلة الابتكار: