قد بدأت مرحلة الابتكار العلمي وحركة الإنشاء مازالت قائمة. فإن أوائل المبتكرات العلمية العربية ـ وخاصة في الرياضيات وفي الفلك ـ قد ظهرت في النصف الأول من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي الذي كان بداية عصر التأليف العلمي في الثقافة العربية. فإن التأليف العلمي في ذلك العصر يمكن أن يصنف إلى صنفين: (1) صنف يغلب عليه ترتيب المعارف العلمية المحصلة وتبويبها ووضع فروعها في مواضعها من العلم وتوضيح القول في الغامض منها. وأهم ممثل لهذا الاتجاه هو الكندي الذي حاول أن يكتب في مجمل فروع الحكمة الأرسطاطاليسية ومباحث العلوم اليونانية الأخرى, ونضيف إليه العلماء المؤلفين في الطب والصيدلة, وخاصة أبا الحسن علي بن ربن الطبري (ت. بعد 240 هـ / 855 م) في كتابه"فردوس الحكمة"الدال دلالة واضحة على أثر الفلسفة في الطب , وحنين بن إسحاق في كتابيه اللذين اشتهرا, وهما"المسائل في الطب للمتعلمين"و"العشر مقالات في العين"المقتبسان من مجمل مؤلفات جالينوس. على أن هذه"التبعية"للنموذج اليوناني ـ وخاصة لجالينوس ـ في الطب لم تمنع ظهور محاولات جريئة في التأليف في القرن الثالث دالة على مذهب ما في الابتكار. ونخص بالذكر منها تأليف يوحنا بن ماسويه (ت. 243 هـ / 857م) كتابا"في الجذام لم يسبقه أحد إلى مثله"وتأليف حنين ابن إسحاق كتابا في"الأغذية على تدبير الصحة لم يسبقه إليه أحد", وتأليف إسحاق بن عمران (ت. 279 هـ / 892 م) كتابا في"داء الماليخوليا لم يسبق إلى مثله".