لَهُ بفِنَاءٍ البَيْتِ دَهْمَاءُ جَوْنَةٌ ... تَلَقَّمُ أوْصَالَ الجَزُورِ العُراعِرِ
بَقيِّةُ قِدْرٍ منْ قُدورٍ تُوُرّثَتْ ... لآلِ الجُلاحِ كَابِرًا بَعْدَ كابرِ
وبالجملة كان الصرحاء يتمثلون مكارم الأخلاق التي وجدوها في آبائهم، يقول زهير بن أبي سلمى يمدح هرمًا:
وعَوَّدَ قومَهُ هَرِمٌ عليهِ ... وَمِنْ عاداتِهِ الخُلُقُ الكَريمُ
كما قد كانَ عَوَّدَهُمْ أَبُوهُ ... إذا أَزَمَتْهُمُ يَوْمًا أَزُومُ
وإن وراثة أمجاد الآباء لا تكون إلاّ بالسير على هدْيها، وبتقليدها، يقول عدي بن زيد العبادي يخاطب امرأته [1] :
وما دَهْري اطْبَأنّكِ غيرَ أنّي ... بَنَى لي والدي بَيْتًا يَفَاعًا
أخّذْتُ بَدأبِهِ فَوَرِثْتُ عَنْهُ ... مَكارِمَ لم تكنْ منهُ ابْتِداعا
وفخر الأعشى بأنه من قبيلة بنى أمجادها أمواتها وأحياؤها، وذلك في قوله شيبان بن شهاب الجحدريّ [2] :
أبا مِسْمَعٍ إنّي امْرؤٌ مِنْ قبيلَةٍ ... بَنَى ليَ مَجْدًا موتُها وحَيَاتُها
والصرحاء يرون أن عجز الأبناء عن الحفاظ على أمجاد الآباء بمثابة فقدان حق الانتماء إلى النسب الأبوي يقول دريد بن الصمة متوعدًا بني الحارث بن كعب من مذحج [3] :
لستُ للصّمّةِ إنْ لَمْ آتِكُمْ ... بالخناذِيذِ تَبارَى في اللُجُمْ
وكان الصرحاء الأحياء يحرصون على توريث أبنائهم قيمهم الكريمة، وينصحون بذلك كما في قول زهير بن أبي سلمى [4] :
فلو كانَ حَمْدٌ يُخْلِدُ الناسَ لم تَمُتْ ... ولكنَّ حَمْدَ النّاسِ ليسَ بِمُخْلِدِ
ولكنَّ مِنْهُ باقياتٍ وراثَةٌ ... فَأوْرِثْ بَيِنكَ بَعْضَها وتَزَوّدِ
(1) -ديوان عدي ص35. واطبأنّ بالمكان: اطمأن. وأخذت بدأبه: بشأنه وعاداته. وانظر ديوان طرفة ص65.
(2) -شرح ديوان الأعشى ص79.
(3) -ديوان دريد ص112. والخناذيد: جياد الخيل.
(4) -شعر زهير ص186.