فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 612

وتوريث الأمجاد مظهر ثقافي يدل على حرص الصرحاء على انتقال ثقافتهم من جيل إلى آخر، وكي تنتقل الثقافة من جيل إلى آخر (لا بد أنْ توَرّث الناشئة تراث القبيلة وروحها، فنورثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعليم أو التلقين) [1] . وقد قام الصرحاء الجاهليون فضلًا عن تقليد آبائهم بتلقين أبنائهم معالم حياتهم الثقافية، فقد أوصى قيس بن عاصم المنقري عند وفاته بنيه بوصية حسنة قال في آخرها [2] :

إنّما المجدُ ما بَنَى والد الصّدْ ... قِ وأَحيَا فَعَالهُ المولودُ

وكمالُ المجدِ الشَّجَاعَةُ والحِلْـ ... مُ إذا زانَهُ عَفَافٌ وجُودُ

وافتخر ابن حريم الهمداني بقوله [3] :

بذلكَ أوصاني حَريمُ بن مالك ... بِأنَّ قَليلَ الذَمِّ غيرُ قليلُ

وقال كعب بنو مالك [4] :

وَعَلْمنَا الضَّرْبَ آباؤنا ... وسوفَ نُعَلّمُ أيضًا بَنينا

جلادَ الكُمَاةِ وبَذْلِ التَّلا ... دِ عنْ جُلِّ أحسابنا ما بقينا

إذا مَرَّ قِرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ ... وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخرينا

وكان الصرحاء يفخرون بتوريث أبنائهم بعض مظاهر الحياة المادية التي تساهم في صنع الأمجاد، كقول عمرو بن كلثوم يذكر خيل قومه [5] :

وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آباءِ صِدْقٍ ... وَنُوْرِثُها إذا مُتْنا بَنِيْنا

(1) -قصة الحضارة 1/7.

(2) -معجم الشعراء ص200.

(3) -المصدر السابق ص255.

(4) -ديوان كعب بن مالك ص276-277. وثمة وصايا كثيرة تحض على الكرم والشجاعة والعفة والصداقة والجوار والوفاء. انظر مثلًا وصية عمرو بن الأهتم لابنه ربعيّ في شرح اختيارات المفضل 3/1645-1649، ووصية عبد القيس لابنه جبيل في شرح اختيارات المفضل 3/1555-1560، وأبياتًا في شرح ديوان الأعشى ص209، وأخرى منسوبة إلى عمرو بن معد يكرب وإلى غيره في ديوانه ص46-47، وفي شعر خفاف ص125-126.

(5) -ديوان عمرو بن كلثوم ص96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت