وكان الصريح يلقى لدى أبناء عمّه، إنْ نزل بهم، الرعاية التامة لشرفه، يقول حاتم الطائي مفتخرًا بذلك [1] :
ولا يُلْطَمُ ابنُ العَمِّ وَسْطَ بُيُوتِنا ... ولا نَتَصَبَّى عِرسَهُ حينَ يَغْفُلُ
إنّ السلوك الاجتماعي لأبناء النسب الأبوي الصريح يبرز متانة الصلات بين المنتمين إلى ذلك النسب؛ فهم غالبًا متسامحون فيما بينهم، يرعى قويهم ضعيفهم، ويصفح حليمهم عن مسيئهم، وينصح حكيمهم جاهلهم، وبذلك يتضافر السلوك الاجتماعي مع ظاهرتي التناصر وتجنب الصراعات الداخلية في تمتع أولئك المنتمين بالضمان الاجتماعي والحماية الأمنية، وبذلك تتوازن ذوات المنتمين إلى النسب الأبوي الصريح؛ فهم متماثلون في السلوك والمشاعر، يدافعون عن انتمائهم ويحبونه، ويعيشون به وله.
5-الاعتداد بالأبّوة الصريحة
إنّ توازن الذات الصريحة في ظلّ انتمائها الأبوي يفسّر لنا شدّة الاعتداد بذلك الانتماء؛ فالصرحاء اتخذوا من الانتماء إلى آبائهم شعيرة يتقوّون بها حين يجابهون الأخطار، فهذا ربيعة بن مُكَدّم الكناني يتقدم نحو عدّوه منتميًا بقوله [2] :
أنا ابنُ عبد اللهِ محمود الشِّيِمْ
ووصف عمرو بن معد يكرب فارسًا تَقَوّى بالانتماء إلى أبيه بقوله [3] :
لمّا انتَمى لأبيه شَدَّ بِصَارِمٍ ... يَفْري الجَمَاجِمَ تَحْتَ زَرْدِ المِغْفَرِ
وكذلك كانت الجماعات تنتمي إلى آبائها في أثناء المعارك كقول أنيف بن حكم النبهاني الطائي [4] :
(1) -ديوان شعر حاتم ص219. وكانوا يستنكرون أن يتصبّى الصريح عرس ابن عمّه، بل كانوا يستنكرون أن يتصبّى عشيقته أيضًا. انظر على التوالي ابن قتيبة، بلا، عيون الأخبار، دار الكتاب العربي (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية 1925م، بيروت، والأغاني 5/83.
(2) -الأغاني 16/83.
(3) -شعر عمرو بن معد يكرب ص106.
(4) -شرح ديوان الحماسة 1/171. وانظر فيه 1/446، وفي أشعار العامريين الجاهليين ص77.