فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 612

وكان الساعي إلى وأد الخلافات في جماعته الأبوية يحدوه الأمل بأنْ يجازى بالمثل من أبناء عمّه إن نزلت به نازلة أو حاق به مكروه، وفي مثل ذلك يقول عبيد بن عبد العزى السّلامي [1] :

ولا أدفعُ ابنَ العَمّ يَمْشِي عَلى شَفًا ... ولوبَلَغَتْنِي منْ أذاهُ الجَنادِعُ

ولكن أواسيهِ وَأنْسَى ذُنوبَهُ ... لترجِعَهُ يَوْمًا إليّ الرّواجِع

وأُفْرِشُهُ مالي وأحفَظُ عَيْبَهُ ... ليسمعَ إني لاأُجازيهِ سامعُ

وحسبُكُ من جهلٍ وسُوءِ صَنيعَةٍ ... مُعَاداةُ ذِي القُربى وإنْ قيلَ قاطعُ

فَأسلِمْ عَنَاكَ الأهلَ تَسْلَمْ صُدورُهُمْ ... ولا بُدَّ يَوْمًا أنْ يروعكَ رايعُ

فتبلُوهُ ما سَلّفْتَ حتّى يَرُدَّهُ ... إليكَ الجَوازي وافِرًا والصَّنَايعُ

فإن تُبْلِ عَفْوًا يُعْفَ عَنْكَ وإن تكُن ... تُقارعُ بالأخرى تُصِبْكَ القوارعُ

فإحساس الصريح بأنّ عصبته هي ملاذه كان دافعًا له إلى تمتين صلاته بها، حتى يُجازى بالإحسان إحسانًا.

واعتقد بعض الصرحاء أن حسن صلة الصريح بأقربائه واجب ديني، يتقرب العبد به إلى ربّه؛ فالأعشى اليائس من مقابلة معروفه لدى أبناء عمّه بالمعروف- يعتقد أنّ الله سيثيبه على معروفه وفي ذلك يقول مخاطبًا أبناء عمّه [2] :

هُنَالِكَ لا تجزُونَني عِنْدَ ذاكُمُ ... ولكِنْ سَيجزيْنِي الإِلَهُ فَيُعْقِبا

ولحرصهم على وأد الخلافات كانوا يتصنعون الحلم أحيانًا فيما بينهم، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول [3] :

تَحَلّمْ على الأدْنَيْنَ واستَبْقِ وُدّهُمْ ... ولن تستطيع الحِلْمَ حَتْى تَحَلْما

(1) -قصائد جاهلية نادرة ص123. وعلى شفا: على حرف. والجنادع: جنادع الشرّ اوائله، وهي مادَبّ من الشرّ. وأفرشه مالي: أوسعه له. وعناك (يقول المحقق) : لعلها من الأعناء: الجوانب والنواحي، واحدها عنو.

(2) -شرح ديوان الأعشى ص43.

(3) -ديوان شعر حاتم ص223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت