إن تناصر أبناء النسب الأبوي يمنحهم الشعور بالأمان، ولذلك كانت نفس الجاهلي الصريح تفيض بالأسى إن ظلمه أبناء عمّه، وفي ذلك يقول طرفة [1] :
وظُلْمُ ذَوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً ... على المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنْدِ
وكانت مشاعره تتجه نحو أقاربه إن دَهمته الأخطار، ولو كان بينه وبين بعضهم عداوة؛ فصخر الغيّ الهذليّ أغار على بني المصطلق من خزاعة، فأحاطوا به، جرح جرحًا مميتًا، فاستبطأ أصحابه، وتذكر بطون هذيل، وبينه وبين بعضها عداوة، كبني كبير، في أشعار منها [2] :
لَوْ أنّ أَصْحَابي بِنُو مُعاوِيهْ ... أَهْلُ جنُوبِ نَخْلَةَ الشّآمِيَهْ
ورَهطُ دُهْمانَ وَرَهْطُ عادِيَهْ ... وَمِنْ كَبيرٍ نَفَرٌ زَبَانِيَهْ
لَبُزِلَتْ حَوْلِي عُرُوقٌ آنِيَهْ ... ما تَرَكُوني للذئابِ العَاوُيهْ
وحرصَ الصرحاءُ على إذاعة أخبار تناصرهم، فنصرة بعضهم بعضًا مفخرة يُعتز بها، ومن ذلك أن بني سُليم وادعت بني سهم الهذليين، ثم أراد السلميون أن يغزو بني لحيان الهذليين، فجمع معقل بن خويلد السهمي لبني لحيان ألف رجل من بني سهم، فقالت بنو سليم لمعقل: أتريد أن تنصر بني لحيان علينا، وبيننا وبينكم ما قد علمتم؟ فقال لهم معقل: وهل يُسلم القومُ بني عمّهم؟ إنْ تقصِروا عنهم فنحن ماكُنا عليه، وإن تقاتِلوهم لا نخذلهم، فانصرف القوم عنهم، وقال في ذلك معقل [3] :
تقول سليمٌ سالمونا وحاربوا ... هذيلًا ولم تطمعْ بذلك مطمعا
(1) -ديوان طرفة ص40، وانظر عدي بن زيد العبادي، 1965م،ديوان عدي بن زيد العبادي، حققه وجمعه محمد جبار المعيبد، وزارة الثقافة والإرشاد، بغداد، ص107.
(2) -شرح أشعار الهذليين 1/280. والزبانية: المدافعون الأعداء. وآنية: آن أنْ يخرج دمها. وانظر مثل ذلك في ديوان طرفة ص189.
(3) -شرح أشعار الهذليين 1/375-376. وأقرع: تامّ. يقوم: إذا أمددتهم بألف، فذلك خذلان مني حتى أزيد. والأجرع: الرمل. يريد: يتركه ضائعا.