وكانت الخلافات بين أبناء النسب الأبوي تتراجع أمام واجب المناصرة؛ فقد تغاضى الربيع بن زياد العبسيّ عن خلافه مع قيس بن زهير العبسي، فأتى إليه، وعاقده على حرب بني ذبيان إذ قتلوا مالك بن زهير، وفي ذلك يقول الربيع [1] :
فإنْ تَكُ حربُكُمْ أمستْ عَوانًا ... فإنّيَ لم أكُنْ مِمّنْ جّناها
ولكنْ وُلْدُ سَوْدَةَ أرّثوها ... وَحَشُّوا نارها لِمَن اصطلاها
فإنّي غيرُ خاذلكمْ ولكنْ ... سَأسْعَى الآنَ إذْ بلَغَتْ مَداها
وادّعى أبو شهاب المازني الهذلي أن قومه أقرباء أول مقاتل من بني أعمامهم يحضر الحرب معهم. وكأنّ التخلّف عن نصرة بعضهم بعضًا ينفي صلة القرابة العَصَبية، وذلك في قوله يصف بطلًا من قومه [2] :
ونحنُ لَدَيْهِ نَضْرِبُ القومَ إنّنا ... بَنُو عَمٍّ أُولانَا إذا مانُنَاكِرُ
والصرحاء ينصحون بالدفاع عن العشيرة [3] ، ويمدحون من يخف إلى نجدة عصبته، فيعين أبناء عمّه، ويشاركهم تحمّل المسؤوليات. يقول أبي ضبٍّ الهذليّ يصف فتىً [4] :
أَشَارتْ لَهُ الحربُ العَوَانُ فَجَاءَها ... يُقَعْقِعُ في الأَقْرابِ أوّلَ مَنْ أتَى
ولمْ يَجْنِها لكنْ جَنَاهَا وَليُّهُ ... فَآدَى وآسَاهُ ، فكانَ كمنْ جَنَى
(1) -ابن عبد ربّه الأندلسي، 1965م، العقد الفريد، شرحه وضبطه وعنون موضوعاته ورتب فهارسه أحمد أمين وزميلاه، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت، 5/153. وولد سودة: هم أبناء بدر بن عمرو الفزاري. وأرّنوا الحرب: أغروا بها.
(2) -شرح أشعار الهذليين 2/696. ونناكر: نقاتل.
(3) -انظر ديوان الطفيل ص109.
(4) -شرح أشعار الهذليين 2/705-706. والأقراب: الخواصر. وإنما أراد قعقعة السلاح. وآدى: أعان.