فهذا الشعر يعني -إن كان قول ابن شأس على الحقيقة- أن الشاعر يعتقد بصلة ما بين قومه والأسد:
طوطمهم المقدس الذي أعطاهم اسمه. ولعل ندرة الإشارات الطوطمية الصريحة في الشعر الجاهلي، إذ لم أقف على غير الإشارة السابقة، تدفع إلى إهمال الحديث عن النسب الطوطمي في الشعر الجاهلي. وتلك الندرة تقابلها وفرة في الأشعار التي تؤكد وجود ظاهرة الأمومة، وهي وفرة تحتم دراسة تلك الظاهرة إلى جانب ظاهرة الأبوة في الشعر الجاهلي.
وأعتقد أن دراسة شاملة للانتماء النسبي الصريح في الشعر الجاهلي يجب أن تتجاوز جداول الأنساب الجاهلية التي رصدها العرب القدماء، فتلك الجداول جنحت إلى ذكر أنساب سراة العرب وأهملت عامتهم، ومن اليسير إثبات ذلك بمقارنة بين عدد أفراد بعض القبائل التي شاركت في فتح مكة سنة (8هـ) وعدد أفرادها المذكورين في كتب الأنساب، فقد ذكر (ابن إسحاق) أن مقاتلي بني سليم المسلمين يوم فتح مكة كانوا سبعمائة (وبعضهم يقول: ألفت سُليم وألفتْ مزينة) [1] ولو أردنا أن نستقصي أسماء بني سُليم وبني مُزينة المذكورين في كتب الأنساب لوجدنا أنهم أقل من ذلك بكثير.
ويراد بالنسب الصريح عند العرب الجاهلية أن ينتمي الإنسان إلى سلسلتي نسب قبلي، عربي متعارف عليهما من جهتي الأب والأمّ، فصراحة النسب تكتسب بالأبوة والأمومة العربيتين معًا، فهل يعني ذلك أن النسب الجاهلي الصريح يتجاوز حرفية مفهومي أسرة الأبوة، وأسرة الأمومة [2] ؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تتم ببيان مظاهر الانتماء إلى الأبوة وإلى الأمومة في النسب الصريح ثم ببيان انتماء الصرحاء إلى أسرهم في ظلال الأبوة والأمومة معًا.
(1) -ابن هشام، 1975م، السيرة النبوية، قدّم لها، وعلّق عليها، وضبطها طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، 4/30.
(2) -يمت الطفل بصلة القرابة إلى أمّه فقط في أسرة الأمومة، وإلى أبيه فقط في أسرة الأبوة (انظر معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ص152) .