وقد يذهب قائل إلى نفي الحقائق النسبية الواردة في الشعر الجاهلي، فيرى أنّها لا تعبر عن روابط قربى دموية بل عن روابط اجتماعية اكتسبت بمرور الزمن صفة القرابة الدموية الثابتة. ولكن هذه الدراسة الأدبية غير معنية بتقصّي صدق تلك المقولة أو عدم صدقها إلاّ في ميدان الشعر الجاهلي والأخبار المتعلقة به، وبعيدًا عن الدراسات الخاصة بالتاريخ البدائي للجنس البشري؛ فهي دراسات لا يصح أن تعمّم نتائجها على الإنسان الجاهلي.
إن استقراء الشعر الجاهلي يؤكّد أن روابط القرابة الدموية هي عماد الأنساب الواردة فيه، وهي أنساب تبلغ عندهم درجة الحقائق الثابتة التي يقرّها المجتمع، ويقيم علاقاته الإنسانية على أساسها؛ فهو مجتمع قبائل أبوّية، لا يتأتّى وجودها إلا بوجود النسب الذي تقوم على أساسه الفواصل والروابط بين تلك القبائل [1] ولكنّ تلك الحقائق النسبية لا تستطيع أن تطمس جميع المعالم السابقة للعصر الجاهلي، فقد رشح إلينا ما يشير إلى الطوطمية في قول عمرو بن شأس الأسدي [2] :
ونحن بنو خَيْرِ السّباعِ أكِيْلةً ... وَأحْرَبِهِ، إذا تَنَفّسَ عادِيا
بنو أَسَدٍ، وَرْدٌ يَشُقُ بنانهِ ... عِظامَ الرّجالِ لايُجيبُ الرَّواقيا
(1) -من مظاهر احتفال الجاهلين بالأنساب اهتمامهم بتوثيق أنساب خيولهم، (انظر بشر بن أبي خازم الأسدي، 1972م، ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، عني بتحقيقه الدكتور عزة حسن الطبعة الثانية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص173،195، وخفاف بن ندبة السّلمي، 1967م، شعر خفاف بن ندبة السّلمي، جمعة وحققه الدكتور نوري حمودي القيسي، مطبعة المعارف، بغداد، ص34، وديوان الطفيل ص23،44، وقصائد جاهلية نادرة ص92) . وأنساب إبلهم (انظر ديوان الطفيل ص78-79) .
(2) -عمر بن شأس الأسدي، 1976م، شعر عمرو بن شأس الأسدي، الدكتور يحيى الجبوري، مطبعة الآداب، والنجف الأشرف، ص108-109.