ناصر…: إذا كانت صحيحة حكاية فرارهم من مظالم النازية والبحث عن ملجأ لم يجدوه إلا في فلسطين دون سائر بلاد الله لسوء حظنا، وإلا لما كنتُ أقف أمامكم هذا الموقف.. إذا كان الأمر كذلك فما معنى استمرار ذلك الغزو وتدفق تلك الهجرة وبغير توقف حتى هذه الساعة بعد زوال تلك الأسباب المزعومة؟
النائب العام…: من الخير أن لا يتشعب الموضوع أكثر مما حدث حتى الآن؟
القاضي…: وعلى فرض صحة ماتقول، لعل هذا يبرر كل مالديكم من الحقد، وأنت الذي لم يسبق له أن شهد مذبحة ما أومقتل أحد ما، الأمر الذي حاول زميلاك أن يتخذا منه مبررًا لانتمائهما للعمل الفدائي كما تسمونه أنتم؟ ألم يقل كل منهما أن ذلك هو الذي صنع منه فدائيًا؟
ناصر…: قد يأخذ ردي وقتًا أطول مما تحتملون... هل يسمح وقت محكمتكم الموقرة وسعة صدرها بذلك؟
القاضي…: يفيدنا ذلك على الأقل من ناحية المعلومات. أعني أن خسارتنا في الوقت لا تخلو من فائدة..
ناصر…: ( يبدو كمن يتأهب لحديث طويل مثير للذكريات الحزينة.. يسرح ببصره بعيدًا.. يتنهد.. تعلو وجهه مسحة من الحزن) صحيح أنني لم أشهد شيئًا كالذي شهده رفيقاي. ولكن وسائل المعرفة في هذا الزمن وفيرة تتيح للمرء أن يشهد وأن يسمع وأن يقرأ فيعرف الكثير. ولكن لأبدأ بما هوأهم. نشأتي.. محيطي... أسرتي.. كل من حولي يتحدث عما جرى لأنه ليس مما يمكن نسيانه. لم ينشغل شعب بقضية قدر ما انشغل شعبنا. قرن كامل. يولد أحدنا ويموت وقضية صراعه هذه قائمة. هي ملحمة شعب على مدى طويل من الزمن. /كنت في نحو الثانية. هناك في فلسطين/. كانوا يتحدثون على مسمع مني وأنا قابع إلى جوار أمي أو أبي على واحدة من تلك المصاطب أمام البيوت، في البلدة القديمة من مدينتنا.. يافا..
… (يسرح ببصره بعيدًا.. وينتقل المشهد) .
المشهد الثاني
(نساء ورجال يجلسون أمام البيوت في البلدة القديمة من يافا، وطفل في نحو الثامنة يجلس إلى جوار امرأة في عقدها الثالث، ممتلئة الجسم. تغطي رأسها بشال أبيض كسائر الجالسات) .
أمينة…: (تضرب كفًا بكف) مسكينة أم سليم. لا بد أنّها جنّت. لم تصدق حين أنزلوا النعش من سيارة الإسعاف. كانت طوال الوقت تقول (لا مابيشنقوه من أجل رصاصة فارغة وجدت معه. الناس يشنقون حين يقتُلون.. ابني لم يصنع شيئًا يستحق عليه الشنق..) .
صبرية…: (بتعجب) كأنها لم تكن تعرف كم شنقوا قبله لهذا السبب أو مثله.