خالد…: (متابعًا في إعياء. يطغى الأسى والتأثر على كلماته) زخات الرصاص كالمطر.. تساقطت الأجساد في اللحظة التي كنت أقفز من فوق الجدار المتهدم جزء منه.. أعدو.. أعدو بين الأشجار. يلاحقني الرصاص مارقًا كالسهم يضرب الأغصان وأوراق الشجر كالعاصفة. صرخات الرعب والألم. صيحات الإسرائيليين تلاحقني أيضًا. طفقت أعدو حتى بلغت القرية. الشوارع خالية. والشمس اختفت. كيف بلغت دارنا؟ لا أعرف. تلقتني أمي صارخة: ماذا دهاك؟ أين شقيقك؟... نعم شقيقي أكرم الذي رأيناه في اليوم التالي بين أكوام الجثث.. كذبيحة تغمرها الدماء.. ماتوا جميعًا، من كانوا إلى جواري أحياء قبل قليل..أتساءل منذ ذلك اليوم (يرفع صوته كأنما يصرخ) لماذا؟ لماذا؟ لماذا يجب أن يحدث لنا ذلك؟؟
… (القاعة والمنصة في صمت مطبق لبعض الوقت)
النائب العام…: (في لهجة رصينة مراعاة للجو العام السائد، ولكن بلهجة تحريضية ناظرًا إلى الجمهور) .
…لا أخفي عليكم، أيتها السيدات والسادة، أنني أتحلّى بضبط النفس طيلة الوقت الذي قضاه هذا الإرهابي الماثل أمامكم، محاولًا استدرار عطفكم بقصة معظمها ملفّق. الغاية التي يرمي إليها من وراء ذلك هي صرف الأنظار عن جريمته كواقعة، وعن بواعثها أيضًا.. فضلًا عن استدراره لعواطفكم.
محامي الدفاع…: (مقاطعًا) هل يقصد سيادة النائب العام أن مأساة كفر قاسم من نسج خيال موكلي..!
…ولكن أليست وقائع مذبحة كفر قاسم مثبتة الآن تاريخيًا، ولا سبيل إلى إنكارها..؟ لذلك أرجو الإلتزام بالموضوعية، على الأقل، في هذه المحكمة، إحقاقًا للمصداقية.! وإن كنتُ أدرك مسبقًا أنه مطلب بعيد المنال..!
النائب العام…: كفر قاسم.. كفر قاسم.. دير ياسين.. تلك كانت ظروف حرب.. وقع تجاوز يومئذ أدّى إلى وقوع خسائر يؤسف لها.. لكن ذلك لم يكن مقصودًا أن يحدث كما حدث تمامًا..!
…الأوامر العسكرية هي الأوامر.. والعسكر لايهمهم إن كان ما يفعلونه صحيحًا.. ينطبق أو لا ينطبق على حالة ما.. مسؤوليتهم فقط تنفيذ الأوامر. وقد كان مرور هؤلاء أمام تلك المفرزة في وقت منع التجول.. فماذا كان ينتظر منهم أن يفعلوا!؟
محامي الدفاع…: (مستنكرًا) أبهذا القدر من الاستهانة ُينظر إلى أرواح البشر.. إلى مصائرهم..؟
…هل المسألة هي فقط الاستماع إلى تبرير منطقي أو أخرق لأي جريمة تقترفونها وحسب.؟