خالد…: لكنكم لا تملكون إلا الاستجابة، إما لأنكم مغلوبون على أمركم، أو لأن لكم ذات التوجه حسب القضايا أو القضية المحددة. فأنتم تنتمون إلى الحضارة ذاتها، تنهلون من النبع ذاته، تحملون المفاهيم والقيم والأفكار ذاتها.
القاضي…: (يصمت طويلًا.. مفكرًا في الخروج من هذا المأزق) كم عمرك؟ آمل ألا تدخلنا في متاهة جديدة نمضي فيها ساعات قبل أن نحظى بجواب.. برقم تذكره فقط، تحدد لنا فيه كم لك من العمر..
خالد…: (ضائقًا ذرعًا. مشيرًا بكلتا يديه) لم لا تريحوننا من الشكليات أيها السادة، لم لا تختصرون الطريق. أليس كل شيء مقررًا عندكم سلفًا..؟
القاضي…: الإجراءات التي تحسبها مجرد شكليات لابد من استكمالها لإكساب الحكم صورته الشرعية.
خالد…: ضمن اللعبة الدعائية للديمقراطية الشكلية. وهكذا تكون للشكليات مكانة القداسة. أن يقتل البشر ظلمًا وعدوانًا ليس مهمًّا أو موضوعيًا، ما دامت تلك الشكليات متقنة الصنع والأداء..!
… (يخفت صوته وكأنما يحدث نفسه في شبه همس مرددًا)
…ذلك الشاعر كأنه كان يعنيننا بقوله:
…قتل امرئٍ في غابة جريمة لا تغتفر/ وقتل شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر...
القاضي…: (وهو يشير بيديه ضجرًا.. وهو ينظر إلى الجمهور كالمعتذر)
…لننته من هذه المسألة. سوف نسجل.. سوف نسجّل.. ثلاثون سنة.. العمر ثلاثون سنة.
خالد…: (مقهقهًا في سخرية وينظر إلى الجمهور) هل ترون أنهم أيضًا يقرون أمر خلقي. متحكمين في الكون والزمن؟ ومتى وجدت على ظهر هذه الأرض.. بنظرة ثاقبة..!
ولكن ما الغريب في الأمر ما داموا يقررون لنا، للواحد أو للمجموعة منا متى تنتهي حياته.. متى عليه أن يغادر هذا العالم.. بقرار من محكمة كهذه.. بقرار في مثل تلك الهيئة العتيدة.. بالضغط على صاعق لقنبلة تبيد هيروشيما ومائة ألف إنسان في طرفة عين..
القاضي…: (ساخرًا) ألم أقل أنكم ميتافيزيقيون...؟ بل رومانسيون...؟
محامي الدفاع…: استكمالًا للشكليات في القضية، كما ترون، أرى أنه ليس من حق المحكمة أن تقرر بمفردها أمرًا كهذا ما دام الظنين متواجدًا أمامها.
القاضي…: (متهكمًا) إذن توسَط لنا لديه -إذا تفضلت- ليقول لنا كم عمره.
خالد…: (يبادر قبل أن يُسأل) ست وعشرون سنة. آمل ألا يبادر أحد إلى دحض هذا الادعاء..
… (همهمة في القاعة.. ثم صمت إثر ضرب المنضدة بالمطرقة من قبل القاضي)