جان دولافونتين هو كاتب الخرافات الشهير les fables وهو من آصَل كتاب القرن السابع عشر. استمد موضوعاته من الآداب القديمة ومن آداب القرون الوسطى، ولكنه طورها في شكل لم يستطع أحدٌ أن يضاهيه فيه. أعطى كل خرافةٍ شكلها الدرامي، وجعل من مجموعها ملهاةً كبيرة ذات مئةٍ من الفصول المتنوعة. مثّل الحيوانات طبقًا للتقاليد الشعبية، وإن لم يكن ذلك بالدقة العلمّية والطبيعية، وصور كلّ عواطف البشر وأهواءهم وظروفهم الاجتماعية وحِرَفهم، وبرز لديه حسُّ الطبيعة وصور البيئة الفرنسية كإطار لحيواناته.
تقوم أخلاقيته على التجربة وأحيانًا على النفعيّة والشكّلية، ولكنها في كل الأحوال تقوم على الحسّ السليم. إننا لا نتعلم الفضيلة من خرافاته، ولكننا نفهم من خلالها، بشكل أفضل، فكرة الاتحاد والتعاون.
أسلوبه متنوع مثل موضوعاته، فهو يتقلب بين قاصّ وشاعرٍ وناقدٍ وشاعر ملحميّ، وشاعر غنائي. ومعجمه اللغوي أغنى من معجم موليير، وأشعاره المرنة والقوية تتبع خُطا تحركاتِ فكره.
1-موت الحطّاب [1]
كان حطّاب فقير، يحمل حُزمة من الأغصان تغطّي كلِ جسْمه.
وكان ينوء بحملها كما ينوء بعبءِ السنين.
يسير منحني الظهر، متثاقل الخطا، ويئن من ثقل ذلك الحِمْل، ليبلغ كوخه الذي تغلفه سحابة من الدخان.
وأخيرًا لما وجد نفسه عاجزًا أمام أعبائه وألمه، أنزل الحزمة، وراح يفكّر في شقائه:
أيّةَ مَسَرةٍ ذاقَ منذ وُلد؟
أليسَ أفقر إنسان على هذه الأرض؟
فأحيانًا يُعوزه الخبز وأحيانًا يفتقر إلى الراحة،
زوجُهُ وأولاده والجنود والضرائب والدائنون والسُّخْرة، كل هؤلاء يجعلون منه الصورة الكاملة لأتعسِ مخلوق.
فياموت أقبِلْ..!
وعلى الفور، أتى ملك الموت قائلًا:"ما تريدني أن أفعل"؟
أجابه:"أظنك لا تتردّد في مساعدتي برفع هذا الحطب"..!
إنّ الموتَ يأتي ليشفي كل الآلام
ولكنْ، لنبق حيث نحن،
الألم خيرٌ من الموت؛
(1) المصدر السابق ص124 والترجمة للمؤلّف