والحقيقيّ وحده هو الممتع والمحبوب، ولما كان هدف الشعر ليس التثقيف والتعليم والبرهنة، بل الإمتاع، فالطبيعة وحدها هي الشيء الممتع، وكل مصطنع مقيت. ولم يكن المجتمع المصطفى في القرن السابع عشر يحتمل الجليل الدائم ولا الواقع التافه المنحطّ بل كان يؤثر أن يشاهد نفسه في مرآة التحليلات والإبداعات الأدبية التي تقدم إليه، ولا يريد أن يقع تحت سيطرة الأمور الغريبة والنادرة والاستثنائية.
2-العقلانية:
إذا كان الأمر كذلك، فما معيار الحقيقيّ أو الطبيعي أو ما يشبههما؟ إن عقلنا وحده هو الحكم الموجّه، وبه نستطيع التمييز بين الحقيقي والمزيف والنسبيّ والمطلق والخاص والعام. وهو الذي يمنعنا من أن ننساق إلى نزوات الخيال والأمور غير الواقعية والمبالغة في التعبير عن آلامنا وأفراحنا. ومن هنا غابت الغنائية المعتمدة على الخيال والأحلام والعواطف القويّة.
إن العقل مرادفٌ للحسّ السليم تقريبًا. وهو الملكية المشتركة بين كل الأشخاص في جميع الأزمنة والبلاد، التي تعتمد في أحكامها على ما هو شاملٌ وبسيط في الطبيعة الإنسانية.
3-تقليد القدماء:
رأينا أن الأدباء قبل القرن السابع عشر كانوا ينظرون إلى قدماء اليونان واللاتين نظرة احترام وتقديس، ويعدونهم الأساتذة الشرعيين في الأجناس الأدبية كلها. وقد أكد ذلك ماليرب وبلزاك وكتّاب المأساة الكبار، وبلغ تقديس القدماء أعلى درجاته عند راسين ولافونتين وبوالو. أما موليير فقد بقي أكثر استقلالًا منهم.