عرف لويس الرابع عشر برعايته الآداب والفنون والعلوم مادّيًا ومعنويًا وتقريبه الأدباء الكبار ومنحهم المسكن والمرتبات، ولذلك بلغت الحركة الأدبية في عهده أوج الازدهار، فظهر في المسرح كوريني وراسين وموليير وفي الشعر والنقد بوالو وفي الحكايات لافونتين وفي النقد لابرويير، وفي الفلسفة ديكارت وباسكال، وفي الخطابة فينيلون وبوسوييه، وفي التاريخ سان سيمون، وغير هؤلاء عديدون، وبرز عددٌ من الفنانين والنحاتين والمعماريين والعلماء والممثلين. ورعى الأكاديمية وافتتح المعاهد والكليات وأنشأ المكتبات.. وأعادَ للعبقري اعتباره واحترامه.
2-جمهور النخبة المثقفة وكان يتألف من الحاشية الملكية ورجال الحكم والبلاط- ومن الطبقة البورجوازية:
آ- البلاط الملكي: كان لويس الرابع عشر يختار حاشيته من النبلاء. وكان هؤلاء يتنافسون في التقرب منه وخدمته وابتغاء رضاه ويبذّرون أموالهم للظهور بالمظهر اللائق، وسرعان ما يفضي بهم التبذير إلى الإفلاس والافتقار، فيعيشون منتظرين إحسان الملك وهكذا يزداد سلطانه رسوخًا بضعف نفوذ من دونه. وقد وجد الأدباء في البلاط والحاشية جمهورًا مشجِّعًا، فثّم الثقافة والذوق والتشجيع والكرم والتنافس في المظهر الثقافي الراقي. وتألقت في هذا المحيط سيداتٌ ذكيات على جانب من الثراء والثقافة والذوق، كن يشاركن في القضايا السياسية والمناقشات الدينية، ويفتتحن الصالونات الأدبية في بيوتهن.. وإليهن يُعزى تشجيع كثير من الأدباء والارتقاء بفن المحادثة الرقيقة التي تتميز بالذكاء والحساسية والإرهاف مع لطف الكناية والتورية والإيجاز مع العمق.
... ... والحقيقة أن فرساي واللوفر وسواهما من القصور لم تشهد أفضل من هذا الجمهور برجاله ونسائه وسياسييه وأدبائه وعلمائه وفنانيه من حيث المستوى الثقافيّ والمقدرة على الفهم والنقد والتذوق، والتحلي برعاية المبدعين وتشجيعهم.