قُلْنَا: عَدَمُ تَأْثِيرِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ لَا يَمْنَعُ تَأْثِيرَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ، ثُمَّ الْعَكْسُ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَلَكِنْ مَا أَفَادَهُ مِنَ الظَّنِّ مُتَّبَعٌ، وَاحْتِمَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَنْفِي إِفَادَةَ الظَّنِّ، وَهُوَ مَنَاطُ التَّمَسُّكِ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ التَّمَسُّكَ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ الْمُفِيدَةِ لِلطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، نَحْوَ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ ظِهَارُهُ، وَمَنَعَ ذَلِكَ آخَرُونَ، الله تَعَالَى أَعْلَمُ.
* قوله: الدوران: هذا هو النوع الثالث من طرق إثبات كون الوصف علة.
وتقدم معنا من الطرق الاستنباطية: طريق المناسبة وطريق السبر والتقسيم.
والمراد بالدوران، هو أن نجد حكمًا يقترن بوصف كلما وجد أحدهما وجد الآخر وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر، فهل يدل هذا على أن هذا الوصف علة للحكم؟ مثال ذلك لو قدرنا أن الشارع حرم الخمر ولم يذكر المعنى الذي من أجله حرم الخمر، ثم بعد ذلك وجدنا أنا الشارع يبيح العصير قبل إسكاره، فلما أسكر وأصبح خمرًا حرمه ومنعه، فلما تحول وأصبح خلًا وزال منه وصف الإسكار أباحه، فوجدنا أن التحريم مرتبط بوصف الإسكار وجودًا وعدمًا، فإذا كان الأمر كذلك أخذنا من هذا أن وصف الإسكار لتحريم هذا المشروب، فهذا يسمى دورانا.
هل الدوران طريق صحيح للتعليل أو لا؟
قال الجمهور: نعم، هو دليل صحيح يثبت كون الوصف علة قالوا: لأنه يفيد معنى العلية، ولذلك تجد الناس يستعملونه في سائر حياتهم فالأطباء يستدلون على تأثير الدواء في المرض بواسطة الدوران، فعندما يجدون أن الشفاء يحصل مع تناول دواء، ولا يحصل بعدم تناوله يستفيدون أن هذا الدواء مؤثر في ذلك الداء.
والقول الثاني: أن الدوران ليس طريقًا صحيحًا للتعليل، واستدلوا