إذن عندنا شروط لصحة السبر والتقسيم:
الشرط الأول: أن يكون الحكم قد ثبت بطريق التعليل، فإن كان الحكم ثبت تعبدًا لا علة له فلا يصح أن نعمل السبر والتقسيم لمعرفة علته، إذ إن الحكم ثبت تعبدًا، والأصل في الأحكام الشرعية أن تكون معللة وبالتالي نعلم خطأ من ألغى طريق السبر والتقسيم، فإنه قد خالف في ذلك بعض العلماء، وقالوا: إن السبر والتقسيم لا يفيدنا، لأنه قد يكون الحكم تعبديًا، ومن ثم لا تسبر ولا تقسم.
فَإِنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَعْلِيلِهِ، جَازَ ثُبُوتُهُ تَعَبُّدًا، فَلَا يُفِيدُ. وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ سَبْرُهُ حَاصِرًا بِمُوَافَقَةِ خَصْمِهِ، أَوْ عَجْزِهِ عَنْ إِظْهَارِ وَصْفٍ زَائِدٍ فَيَجِبُ إِذًا عَلَى خَصْمِهِ تَسْلِيمُ الْحَصْرِ، أَوْ إِبْرَازُ مَا عِنْدَهُ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَيُفْسِدُهُ بِبَيَانِ بَقَاءِ الْحُكْمِ مَعَ حَذْفِهِ، أَوْ بِبَيَانِ طَرْدِيَّتِهِ، أَيْ: عَدَمُ الْتِفَاتِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ فِي مَعْهُودِ تَصَرُّفِهِ،
الشرط الثاني: أن يكون التقسيم حاصرًا، بأن أجمع جميع الأوصاف, فإن بقي بعض الأوصاف لم نستدل بالسبر والتقسيم.
الشرط الثالث: أن ألغي جميع الأوصاف إلا وصفًا واحدًا فيكون هو العلة. مثل المؤلف لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «البر بالبر ربا» . هنا حكم ليس معه أوصاف، فنأتي ونبحث عن الأوصاف التي يمكن أن يعلل بها هذا الحكم فنقول: الكيل، الطعم، الادخار، القوت إلخ، هذا يسمى تقسيمًا، وهو جمع الأوصاف، ثم بعد ذلك أبطالها فأقول: لا يصح أن يكون الطعم، لأن وصف الطعم وصف طردي، أو لأن عندنا أشياء مطعومة ومع ذلك لا يجري فيها الربا، وهكذا في القوت وبقية الأوصاف فأقوم ببيان عدم صحة التعليل بها فلا يبقى إلا الوصف الأول فيكون هو العلة.
قال المؤلف: فإن لم يجمع على أن الحكم معلل وجاز أن يكون ثبوت الحكم تعبدًا، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يصح لنا أن نستعمل السبر والتقسيم؛ لاحتمال أن يكون الحكم تعبديًا، وهكذا إذ لم يكن سبر المتكلم والمجتهد حاصرًا لجميع الأوصاف فإنه حينئذ لا يصح لنا أن نستدل بالسبر والتقسيم على صحة العلة.