{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] ، «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» [1] إِذِ الْبَيْعُ وَالْقَضَاءُ لَا يَمْنَعَانِ مُطْلَقًا، فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنْ مَانَعٍ; وَلَيْسَ إِلَّا مَا فُهِمَ مِنْ سِيَاقِ النَّصِّ وَمَضْمُونِهِ.
* قوله: تعقيب الكلام أو تضمينه ما لو لم يعلل به لم ينتظم: هذا الطريق الخامس من الطرق الإيمائية التي نعرف منها كون الوصف علة وهو أن يكون مع الحكم وقريبًا منه وصف لو لم يكن هذا الوصف علة لكان الكلام غير منتظم ولا يستفاد منه معنى، كقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] الحكم: ذروا البيع، الوصف الذي جاء معه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} لو لم نجعل العلة من منع البيع هي النداء لصلاة الجمعة لكان الكلام غير منتظم لأن البيع مشروع؛ لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] فلابد أن نجعل علة منع البيع هنا هو كون هذا البيع وقع في وقت خطبة الجمة أو الصلاة.
ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» الحكم: لا يقضي القاضي، معه وصف هو غضبان، لو لم نعلل هذا الحكم بقوله: وهو غضبان، لكان الكلام غير منتظم ولم يفهم منه شيء، لأن القاضي مأمور بالقضاء فمتى يمنع؟ نقول: وهو غضبان، فيكون الامتلاء من الغضب مانع من القضاء، وتلاحظون أن الوصف عند الأصوليين ليس مجرد النعت الذي يذكره النحاة، بل قد يكون الوصف حالًا كما هو هنا، وقد يكون مضافًا أو مضافًا إليه، وقد
السَّادِسُ: اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ، نَحْوَ: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الْجُهَّالَ كَمَا سَبَقَ; ثُمَّ الْوَصْفُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ، وَالْأَصْلُ كَوْنُهُ عِلَّةً بِنَفْسِهِ إِلَّا
(1) سبق تخريجه ص (552) .