أن مفهوم الموافقة قياس.
مثل له المؤلف بما لو قلت: إذا قبلت شهادة اثنين فمن باب أولى أن تقبل شهادة الثلاثة، الأصل: شهادة اثنين، والفرع: شهادة ثلاثة, والحكم: القبول، والسبب: أن الفرع أولى بالحكم من الأصل، عند الشافعية يسمونه: قياسًا قطعيًا. وعند الجمهور يسمونه: مفهوم موافقة، ويستدلون عليه باللغة.
مثال آخر: إذا قال: لم تصح الأضحية بالعوراء فقد ورد في الحديث النهي في الأضحية بالعوراء [1] ، فمن باب أولى ألا تصح الأضحية بالعمياء، الأصل: العوراء والفرع: العمياء، والحكم: عدم إجزاء الأضحية بها. من أين أخذته؟ لأن العمياء أولى ألا تجزئ من العوراء. بخلاف إذا ما قلت: ردت شهادة
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَوِيَا كَسِرَايَةِ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ، وَالْأَمَةُ مِثْلُهُ،
الفاسق فالكافر من باب أولى أن ترد شهادته، فحينئذ هنا المسكوت عنه شهادة الكافر، قد يقول قائل: شهادة الكافر ليست أولى بالرد من شهادة الفاسق، لأن الكافر قد يكون عنده دين يردعه عن الكذب، فإن الكذب محرم في جميع الديانات، بخلاف الفاسق، فإنه ليس له ورع ولا دين يمنعه من الكذب، ولوجود هذا الاحتمال لم يكن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ومن ثم لم يكن القياس قطعيًا.
ومثله ما لو قال: تجب الكفارة في القتل الخطأ بآية النساء فمن باب أولى تجب الكفارة في القتل العمد، فيعترض عليه المعترض ويقول: هذا ليس من باب أولى؛ لأنه قد يقال: إن القتل العمد أعظم من أن تكفره الكفارة، أو يقال: القتل العمد يجب فيه القصاص فلا يكتفى فيه بالكفارة, فحينئذ نقول: هذا ليس مقطوعًا به، وإنما يكون مظنونًا، من أين نشأ الظن وانتفى القطع؟ من احتمال وجود فرق بين الأصل والفرع أو المسكوت عنه والمنطوق به.
(1) أخرجه أبو داود (2802) والترمذي (1497) والنسائي (7/ 214) وابن ماجه (3144) .