السبب الثاني من أسباب تخلف الحكم عن العلة: أن يوجد مع العلة علة أقوى منها, فيوجد عندنا علتان إحداهما تقتضي الوجوب والأخرى تقتضي المنع مثلًا، فحينئذ نثبت الحكم بالعلة الأقوى، ولا يعد هذا نقضًا للعلة الأقل.
قال: مثال هذا رق الأم علة رق الولد: إذا كان عندنا أمة وجاءت الأمة المملوكة بولد فإن الولد يتبع أمه في الرق ويكون سيد الأم سيدًا له، فإذا جاءنا الأب، وقال: أنا حر أعطوني ابني؟ قيل: إذا كانت الأم مملوكة فإنه ينتج عن ذلك أن يكون الولد رقيقًا، لكن عندنا مسألة يوجد فيها مسألة رق الأم ومع ذلك لم يوجد الحكم فيها وهو رق الولد، وهي مسألة المغرور بأمه، يعني عندنا رجل قال: أريد أن أتزوج، قلنا: عندنا لك زوجة مناسبة لك فيها جميع الصفات فأدخلناه على تلك المرأة، وجاءت منه بذلك الولد، فتبين بعد ذلك أن هذه المرأة مملوكة، فعندنا علتان: إحداهما: أن رق الأم يقتضي رق الولد، وعندنا مسألة أخرى وهي الغرر، كون الأب قد غُر بتلك المرأة، وهذا يقتضي أن الولد حرٌ ولذلك قدمنا تلك العلة الأقوى، لكننا نجد أن السيد يقول: أعطوني حقي إما أن تعطوني ذلك الولد فيكون رقيقًا لي، وإما على الأقل تعطوني قيمته؟
فنقول: يعطى القيمة فيقدر ذلك المولود بأنه مملوك، وينظر كم قيمته في السوق، ثم نوجب على الغار قيمة مماثلة لقيمته ونقول: ادفع قيمته لسيد الأمة، وبعض أهل العلم يقول: القيمة على والد الولد, ووالد الولد يرجع على الغار.
الْأَشْبَهُ لَا، اعْتِبَارًا بِالتَّحْقِيقِ لَا بِالتَّقْدِيرِ.
هل هذه الصورة يمكن أن نجعلها نقضًا للعلة أو لا؟
موطن خلاف.
قال المؤلف: الأشبه لا: أي أنها لا تعد نقضًا, وبالتالي تكون العلة علة صحيحة اعتبارًا بالتحقيق لا بالتقدير لأننا لم نجعل الابن رقيقًا وإنما قدرناه رقيقًا، فتخلف الحكم عن الوصف، لأنه قد وجدت علة أقوى، فتركنا العلة الأضعف وعملنا بالعلة الأقوى.