العموم بعد التخصيص يبقى حجة في غير الصور المخصوصة.
القول الثالث: أننا ننظر إن كان في صورة النقض التي وجدت فيها العلة ولم يوجد الحكم هناك مانع فتخلف الحكم لوجود مانع، فحينئذ هذا لا يؤثر على صحة العلة، مثال هذا: القصاص حكم شرعي العلة فيه القتل العمد العدوان، إذن الحكم: وجوب القصاص، والعلة هي: قتل عمد عدوان، عندنا صورة وهي: أن والدًا أخذ ولده فقتله، فهنا قتل عمد عدوان، فالعلة موجودة ومع ذلك لم يوجد الحكم، فالقصاص هنا غير واجب، العلة لم تطرد لأنه قد وجد الوصف المعلل به في صورة ولم يوجد الحكم معها فمعناه أن هذه العلة ليست مطردة، لكن التخلف هنا لوجود مانع وهو الأبوة، فأصحاب القول الثالث يقولون: إذا تخلف الحكم عن العلة لمانع فهذا لا يؤثر على صحة العلة، فالاطراد شرط لصحة العلة إلا إذا كان هناك مانع، هذا ما يقوله أصحاب القول الثالث. والذين اشترطوا الاطراد قالوا إذا وجدت العلة في محل ولم يوجد الحكم معها فإن هذا يدل على أنها ليست بعلة، إذ لو كانت علة لأنتجت الحكم، لكن لما وجدت العلة في محل ولم يوجد الحكم معها دل ذلك على أن الوصف ليس بعلة، والآخرون قالوا: الاطراد ليس شرطًا وتخلف الحكم
عن العلة في بعض الصور لا يدل على أن هذا الوصف ليس علة، قالوا: لأن العلل أمارات والأمارات قد يتخلف حكمها عنها، وذلك كما أن السحاب أمارة على المطر ومع ذلك يوجد سحاب في مرات كثيرة ولا يوجد مطر، وهذا لا ينفي كون السحاب أمارة على وجود المطر فهكذا أيضًا في العلل الشرعية.
والصواب في هذا أن تخلف الحكم عن العلة إن كان لسبب شرعي فإنه لا يؤثر على صحة العلة، وإن كان التخلف بدون سبب فهذا دليل على أن الوصف ليس علة، ويترتب على هذا مسألة النقض هل هو سؤال صحيح أم ليس بصحيح؟