القول الثالث: بالتفريق بين الأقيسة فهناك قياس علة، وهناك قياس دلالة، وقياس العلة يشترط فيه أن يكون الأصل ثابتًا قبل الفرع بخلاف قياس الدلالة. ما هو قياس الدلالة وما هو قياس العلة؟
يراد بقياس العلة الجمع بين الأصل والفرع في الحكم بجامع يقتضي الحكم يعني أنه جامع مناسب لتشريع الحكم، مثال هذا: الجمع بين النبيذ والخمر في التحريم بجامع الإسكار، فإن الإسكار معنى يقتضي التحريم فهذا قياس علة. بينما قياس الدلالة: هو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم بناءً على أثر من آثار العلة أو لازم من لوازمها، كما لو قال: النبيذ حرام قياسًا على الخمر لكون كلٍ منهما له رائحة كريهة هي رائحة المسكر، فالرائحة أثر للإسكار فالجمع بها يعد من قياس الدلالة وليس من قياس العلة، يقول أصحاب القول الثالث: قياس
الدلالة يجوز أن يكون الفرع متأخرًا؛ لأن الدلالة قد تتأخر عن المدلول وقد تتقدم عليه بخلاف العلة، فالعلة لا بد أن توجد أولًا ثم يوجد الحكم بخلاف الدلالة فقد توجد الدلالة قبل الحكم وقد توجد الدلالة بعده، مثال ذلك لا يمكن أن يوجد نار إلا إذا وجدت العلة قبله، وهي الإشعال، لكن أثر هذه العلة من وجود رائحة أو وجود الدخان فإنه يوجد بعد وجود النار، فالدلالة توجد بعد المدلول بخلاف العلة لا بد أن تكون متقدمة.
والصواب في هذا أن هذا الشرط ليس شرطًا صحيحًا لعدم وجود الدليل الذي يدل على صحته، ونحن لم ننف تأثير العلة في الفرع في الزمن الأول، وإنما نفينا علمنا بها فعلة الطهارة كانت موجودة في الوضوء في الزمان الأول قبل نزول حكم التيمم، وكانت النية واجبة في الوضوء قبل وجود حكم التيمم، لكننا كنا نجهل ذلك، وجهلنا بوجود الحكم في الزمان الأول لا يعني انتفاءه.
وبذلك نكون قد أخذنا ما يتعلق بالأصل والفرع والحكم، ويبقى