قَالُوا: كَيْفَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ طَرِيقِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.
قُلْنَا: مَنْ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ لَا يَرِدُ هَذَا عَلَيْهِ، وَمَنْ يُثْبِتُهُ بِالنَّصِّ يَقُولُ: الْقَصْدُ الْحُكْمُ، لَا تَعْيِينُ طَرِيقَهٍ، فَإِذَا ظَنَّ وُجُودَهُ اتَّبَعَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ.
فيه أنظار الناس، فقد ورد في الحديث: «البر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا كذا وكذا» ثم قال: قيسوا على هذه الأصناف، وهذا تطويل، لو أراد الشارع القياس لنص على العلة وقال: يدخل الربا في كل مكيل مطعوم وحينئذ لا نحتاج إلى التطويل مما يدل على أن الشارع يقصد التمر والبر والشعير بذاتها.
وأجيب عن هذا: بأن هذا منكم اعتراض على صاحب الشرع وتحكم، فإنكم تقولون: لماذا لم يأت الشرع بكذا؟، ولماذا لم يأت بكذا؟ لماذا لا يأتي باللفظ المختصر الذي ينص على تعميم الحكم، هذا تحكم على الشرع، وصاحب الشرع أبصر وأعلم، ثم إنه يترتب عليه مصلحة وهو أنه يجتهد المجتهدون لكي يكون لهم الأجر والثواب، ففيه فوائد ومصالح.
الدليل السادس لهم: قالوا: إن الأصل ثبت الحكم فيه بواسطة النص والفرع ثبت الحكم فيه بواسطة العلة فكيف تثبتون الحكم في الفرع قياسا على الأصل مع أن الحكم في الأصل ثبت بطريق مخالف لطريق ثبوت الحكم في الفرع، هناك ثبت بواسطة النص وهنا ثبت بواسطة العلة.
وأجيب عن هذا بأجوبة:
الجواب الأول: أن الحكم في الأصل وفي الفرع ثبت بالعلة على ما تقدم.
قَالُوا: غَايَةُ الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْإِلْحَاقَ، نَحْوُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ.
قُلْنَا: وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ، فَقَالَ: قِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ، فَلَيْسَ بِوَارِدٍ، بِخِلَافِ