قال المؤلف: لولا القياس لخلت حوادث كثيرة من حكم لكثرة هذه الوقائع وقلة النصوص.
اعترض على هذا الدليل باعتراضات، منها:
أنه يمكن أن ينص الشارع على المقدمات الكلية، ثم بعد ذلك نقوم بتطبيق هذا الحكم على جزئياته بواسطة تحقيق المناط وتحقيق المناط خارج محل النزاع، وإنما النزاع في تخريج المناط، فبدل أن يقول: البر بالبر ربا، ليقل: كل مطعوم وكل مكيل ربا، وبالتالي يزول عنا هذا الإثم ولا يقع اشتباه أو اختلاف أو التباس.
والجواب عن هذا أن نقول بأن تقدير وجود كليات نطبقها على أفرادها هذا أمر ذهني ليس في الواقع، ونحن نتكلم عن واقع ولا نتكلم عن أمور ذهنية مجردة ونجد كثيرًا من الحوادث لم ينص على قواعد كلية تشملها ومن ثم لابد من تعميم الحكم على هذه الحوادث الجديدة بواسطة القياس.
السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي [1] فَصُوِّبَ لَا يُقَالُ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، ثُمَّ الْمُرَادُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ وَتُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، وَالِاجْتِهَادُ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
الدليل السابع من أدلة الجمهور: ما ورد في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: بم تحكم؟ قال بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (1) . قالوا: فقد أحال إلى الاجتهاد ومن أنواع الاجتهاد القياس فيكون القياس حجة يجب العمل به.
اعترض على هذا الدليل بعدد من الاعتراضات؟
الاعتراض الأول: قالوا هذا خبر ضعيف، لأنه من رواية عمرو بن الحارث عن رجال من أهل حمص وفي لفظ: عن رجال
(1) سبق تخريجه ص (729) .