الصفحة 534 من 917

عن المنسوخ، فالنسخ بيان لمدة الخطاب ولزمنه، فإذا كان النسخ لابد من تأخره فهكذا البيان لابد من تأخره، لأن كلًا منهما يشترك في كونه بيانًا، فهذا بيان للمعنى وهذا بيان للزمن والمدة.

وهذا الاستدلال فيه ضعف من جهة أن الناسخ يجب أن يكون متأخرًا بخلاف المبين، ثم القول بأن النسخ بيان لمدة العبادة خطأ، لأنه قد يوجب الله

قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ، وَتَجْهِيلٌ فِي الْحَالِ كَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَعَكْسِهِ، وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِأَبْجَدْ هَوَّزْ، وَكَإِرَادَةِ الْبَقَرِ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ» [1] .

قُلْنَا: بَاطِلٌ بِالْمُتَشَابِهِ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ، وَلَيْسَ تَجْهِيلًا، وَلَا عَبَثًا،

تعالى العبادة وينسخها قبل أن يتمكن العباد من فعلها، كما في إيجاب خمسين صلاة ثم نسخها، فليس هناك زمن لهذه العبادة.

القول الثاني: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب، قاله طائفة من الحنابلة والظاهرية والمعتزلة واستدلوا على ذلك بأن قالوا: توجيه الخطاب غير المفهوم وغير الواضح عبث، واستهزاء بالمخاطب وتجهيل له في الحال، فهو بمثابة مخاطبة الشخص الذي يتكلم العربية باللغة الإنجليزية وهو لا يفهمها، وبمثابة لو جاء بلفظ غير مفهوم مثل: أبجد هوز. ثم يقول: هذا الخطاب المراد به الصلاة، فهذا عبث وتجهيل، ثم تأخير البيان عن وقت الخطاب يكون بمثابة خطاب الناس بكلمات لا يفهمونها، أو يفهمون منها غير المراد بها، كما لو قال: في خمس من الإبل شاة. وقال: أنا أريد بلفظ: (الإبل) الغنم.

ونقول في الجواب عن هذا: أن هذا الكلام ليس بصحيح، لأنه يمكن أن يخاطب الإنسان بخطاب لا يفهمه في الحال ثم يفهمه بعد ذلك، لذلك جاء الخطاب بالمتشابه، مع أنه قد يفهم منه خلاف المراد

(1) أخرجه أبو داود (1568) والترمذي (621) وابن ماجه (1798) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت