القول الأول: أنه يجوز تأخير بيان الخطاب عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وهذا قول جماهير أهل الأصول، استدلوا عليه بأدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] جعل الإحكام أولًا ثم التفصيل، والتفصيل هو البيان مما يدل على جواز تأخير البيان، لأن ثم تفيد الترتيب.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19] فجعل البيان معقبًا على الإنزال بـ (ثم) ؛ مما يدل على جواز تأخير البيان عن وقت النزول.
وَلِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ زَمَنِيٌّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ؛ فَكَذَا هَذَا.
الدليل الثالث: أن هناك خطابات شرعية كثيرة وردت ثم أخر بيانها إلي وقت آخر، ولذلك فإن كثيرًا من المخصصات أخر نزولها عن نزول العام، ومثله أيضًا لما نزل الأمر بذبح بقرة بني إسرائيل، أخر بيان المراد بهذه البقرة إلى مدة قبل التمكن من الفعل، ومثله أيضًا لما أخبر الله عز وجل نوحًا أن يحمل أهله معه في السفينة، ولم يبين له أن ابنه ليس من أهله، ثم بُين له بعد ذلك أن الابن ليس من الأهل مما يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
الدليل الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخر بيان عدد من الخطابات مع ورود الخطاب المحتاج للبيان كما في لفظة:"ذوي القربى"ولفظة:"الزكاة"ولفظة:"لله على الناس حج البيت"نزلت الآية ولم تبين كيفية الحج مما يدل على أنه لا يلزم من نزول الخطاب أن يبين بعده مباشرة، وإنما يجوز أن يؤخر بيان الخطاب عن وقت إنزال الخطاب إلى وقت الحاجة، ومثله أيضًا جبريل عليه السلام فإن الله تعالى قد فرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، ونزل قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة:43] لكن لم يبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة إلا بعد مدة.
الدليل الخامس: قالوا: في النسخ لابد أن يكون الناسخ متأخرًا