فَيَعُمَّ كُلَّ حُكْمٍ، وَأَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ بِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِهِ، إِذِ النَّاسِي وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
النسيان، لعدم إمكان جعل المراد به رفع ذات الخطأ لأنه يستلزم أن يكون هذا الخبر كاذبًا لأنه قد وقع من الناس كثيرًا الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وهذا كله على تقدير أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رفع عن أمتي الخطأ ... » لكن اللفظ لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن الحديث الوارد هو قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ... » وحينئذ لا يقع فيه إشكال ولا يقع فيه ما ذكروه.
والذين قالوا: إن هذا الخبر نحتاج فيه إلى تقدير الحكم، حينئذ نقول: أي حكم تقدرون له؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: أن المراد رفع الإثم خاصة، وحينئذ من فعل شيئًا على جهة الخطأ والنسيان لا يأثم، لكنه قد يترتب عليه أحكام وضعية مثل الضمان والقضاء، ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... } [النساء:92] فأوجب عليه الضمان مع كون القتل كان خطأ.
قالوا: هذا الحديث كأنه أراد رفع الإثم خاصة وحينئذ الضمان والقضاء يبقيان على ما هما عليه، لأن هذا اللفظ نقدر فيه تقديرًا واحدًا، إذ ليس صيغة عموم فيعم كل حكم، وحينئذ نخصه بالإثم خاصة.
واعترض بعض أهل العلم منهم أبو الخطاب قالوا: هذا التقدير لا يصح لأنه لو كان التقدير: رفع عن أمتي إثم الخطأ، لم تختص هذه الأمة به، لأن الناسي غير مكلف في جميع الشرائع ولا يلحقه إثم في جميعها.
القول الثاني: أن المقدر في الحديث جميع الأحكام، فجميع آثار الخطأ والنسيان مرفوعة عنا بما فيها القضاء والضمان.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا حَيْثُ لَزِمَ الْقَضَاءُ أَوِ الضَّمَانُ بَعْضَ مَنْ ذُكِّرَ، كَنَاسِي الصَّلَاةِ يَقْضِيهَا، وَالْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُ، أَوْ يُضَمَّنُ، يَكُونُ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ.