فحمله على أحد هذه المعاني بدون دليل تحكم، ومن ثم نجعله من باب المجمل ونتوقف في معناه حتى يأتي دليل يوضح المراد به.
وَلَنَا: أَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ غَلَبَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ؛ فَاللُّغَوِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا مَجَازٌ، وَأَيْضًا اشْتَهَرَ عُرْفًا نَفْيُ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، نَحْوُ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، وَلَا بَلَدَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ. فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ لِانْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ،
القول الثاني في المسألة: أن هذا اللفظ ليس من المجملات سواء حملناه على العموم كما في مسألة دلالة الاقتضاء أو قدرنا فعلًا مناسبًا، فنقول: الشارع إنما جاء ببيان المصطلحات الشرعية وما يصح شرعًا، ولذلك نقدر فنقول: «لا صلاة ـ صحيحة شرعًا ـ إلا بطهور» ، وهكذا في قوله: «لا صيام» ونحو ذلك لأن هذه الألفاظ وما وافقها من الاصطلاحات الشرعية، والاصطلاحات الشرعية تحمل على الاصطلاح الشرعي وعلى الدلالة الشرعية، ولا يصح أن نحملها على الدلالة اللغوية، لأن الدلالة اللغوية تكون بالنسبة لهذه الألفاظ من باب المجاز لا يصار إليها إلا إذا قام الدليل على عدم إمكان إرادة المعنى الشرعي، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم وإن كان صائما فليصل» [1] حيث قالوا: إن المعنى الشرعي لا يمكن حمل اللفظ عليه هنا، إذ يبعد أن يكون المراد الصلاة الشرعية التي تشتمل على قيام وركوع وسجود، فحينئذ نحملها على المعنى اللغوي فنقول: المراد إما الثناء وإما الدعاء، ثم إنه قد اشتهر في العرف أن ينفى الشيء لعدم فائدته كما لو قلت: فلان ليس برجل. بمعنى أنه لا يؤدي الفائدة التي يؤديها الرجال، فحينئذ فائدة الأفعال بالنسبة للشرع صحتها، فلما قال: «لا صلاة إلا بطهور» يعني لا صلاة صحيحة، فيحمل اللفظ هنا على نفي الصحة لأن ما كان منفي الصحة فإنه لا فائدة فيه.
(1) أخرجه مسلم (1431) .