وقد اختلف أهل العلم في كيفية التعامل في مثل هذه النصوص، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] لأن الميتة عين والعين لا يقع عليها التحريم، ومن ثم نسأل ما المراد بهذا اللفظ؟
وهكذا أيضًا قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23] فهنا التحريم وقع على الأمهات، والأمهات عين والأعيان لا يقع عليهن الحكم التكليفي ولذلك لابد من تقدير.
وقد اختلف أهل العلم في كيفية التعامل في مثل هذه النصوص على ثلاثة أقوال:
قَالُوا: الْمُحَرَّمُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، لَا نَفْسِهَا، وَالْأَفْعَالُ مُتَسَاوِيَةٌ.
القول الأول: قالوا: نقدر فعلًا مناسبًا عرفًا، ففي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] المناسب عرفًا هو الأكل، فنقول: حرم عليكم أكل الميتة، وفي قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23] نقدر فعلًا مناسبًا، من الوطء أو العقد أو غير ذلك.
واستدلوا على ذلك بأن الحكم لا يصح أن يضاف إلى العين، فإذا أضيف الحكم إلى عين فإننا حينئذ نجعل التحريم مضافًا إلى الغرض الأصلي من هذه العين والغرض الأصلي من الميتة هو الأكل ولذلك قدرناه بالأكل.
القول الثاني: أن لفظة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} و: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} هذا مجمل، لا يفهم منه شيء، حتى يأتينا دليل خارجي يوضح المراد به، وهذا هو قول الحنفية، قالوا: بأن الأعيان لا يمكن أن يقع عليها حكم تكليفي، لا من تحريم ولا من غيره وحينئذ لا بد من تقدير، ولا يصح أن نتحكم فنضيف هذا التقدير إلى فعل معين بدون دليل ومن ثم نجعل التقدير مجملًا نتوقف فيه حتى يأتينا دليل