الصفحة 494 من 917

وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ [1] تَوَقُّفًا عَارِضِيًّا.

يُجْلَسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ» يدل على أنه إذا كان هناك شخص يملك مكانًا، فإن الأصل أن يتقدم صاحب المكان للصلاة إمامًا، ثم قال: «ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» يعني لا يجوز له أن يجلس على محل كرامته إلا بإذن المالك، الاستثناء هنا في قوله: إلا بإذنه، هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، أو يعود إلى الجمل جميعًا؟

قبل أن ندخل في الخلاف لا بد أن نحرر محل النزاع، فنقول: إذا وجدت قرينة تدل على عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجملة الأولى أو إلى جميع الجمل فإنه يعمل بهذا الدليل ويفسر الكلام بحسب هذه القرينة بالاتفاق. مثال ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِن اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة:249] هنا الاستثناء: {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ} عاد إلى الجملة الأولى فقط: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ} ولم يعد إلى الجملة الأخيرة: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} .

لما عرفنا محل النزاع نقول: اختلف أهل العلم في الاستثناء الذي ورد بعد جمل متعاطفة، هل يعود إلى الجملة الأخيرة أو يعود إلى جميع الجمل، إذ لم يكن هناك قرينة تبين المراد، على أقوال:

القول الأول: أن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل وهذا قول جماهير أهل العلم، واستدلوا على ذلك بأدلة:

لَنَا: الْعَطْفُ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْجُمَلِ مَعْنًى؛ فَعَادَ إِلَى الْكُلِّ، كَمَا لَوِ اتَّحَدَ لَفْظًا، وَلِأَنَّ تَكْرِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ عِيٌّ قَبِيحٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ فَمُقْتَضَى

(1) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي؛ فقيه شافعي أصولي، ولد سنة 450 هـ، وتوفي سنة 505 هـ. من مؤلفاته: أحياء علوم الدين، الوجيز في الفقه.

ينظر: تاريخ دمشق (55/ 200) سير أعلام النبلاء (19/ 322) البداية والنهاية (12/ 173) طبقات الشافعية للسبكي (6/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت