الدليل الثالث: أن إرادة الخاص أغلب من إرادة عموم العام، يعني دلالة اللفظ الخاص على أفراده أقوى من دلالة الخطاب العام على أفراده، وحينئذ قدمنا الأقوى وهو الخاص في محل الخصوص.
الدليل الرابع: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية، فإنه لما ذكر الله المحرمات في النكاح: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23] قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24] فاستفيد العموم من ذلك، لكن الصحابة خصصوا هذه الآية بدليل من السنة الآحادية فخصوه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» (1) . وهكذا أيضًا خصوا آية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء:11] حيث يوجد العموم في
وَ «لَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ» [1] ، وَ «نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» [2] ، وَعُمُومَ الْوَصِيَّةِ بِـ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» [3] . وَ {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] بِـ «حَتَّى يَذُوقَ عَسِيلَتَكِ» [4] مُتَسَارِعِينَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ تَارِيخٍ.
قوله: أولادكم، فإن كلمة: أولاد جمع مضاف إلى معرفة فيفيد العموم, فالصحابة اجمعوا على تخصيص هذه الآية بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم» [5] . وخصوه بقوله: «لا إرث لقاتل» (1) وخصوه بقوله - صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا
(1) أخرجه أبو داود (4564) والترمذي (219) والنسائي في الكبرى (4/ 79) وابن ماجه (2646) ، وينظر: نصب الراية (4/ 328) التلخيص الحبير (3/ 85) .
(2) أخرجه البخاري (4034) ومسلم (1758) .
(3) أخرجه أبو داود (2870) والترمذي (2120) والنسائي (6/ 247) وابن ماجه (2712) .
(4) أخرجه البخاري (2639) ومسلم (1433) .
(5) سبق قريبًا.