الصفحة 469 من 917

بالاتفاق وثابت ومثاله قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] خص بقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] .

الثاني: تخصيص عموم السنة المتواترة بالسنة المتواترة وهذا أيضًا جائز بالاتفاق.

الثالث: تخصيص السنة الآحادية العامة بالسنة الآحادية الخاصة، ومن أمثلته قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» [1] خصص قوله - صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر» (1) .

الرابع: عموم السنة هل يصح أن نخصصه بالكتاب، مثلا جاءتنا سنة عامة ثم جاءنا دليل خاص من الكتاب فهل يصح لنا أن نخصص عموم السنة بدليل من الكتاب؟

وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِضَعْفِهِ عَنْهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ: يُخَصَّصُ الْمُخَصِّصُ دُونَ غَيْرِهِ. بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُخَصَّصَ مَجَازٌ؛ فَيَضْعُفُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ، إِذِ الْكِتَابُ قَطْعِيُّ السَّنَدِ، وَالْخَبَرُ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ فَيَتَعَادَلَانِ.

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:

القول الأول: أن عموم السنة يخص بالكتاب، وهذا قول الجماهير، واستدلوا على ذلك بأن كلًا من دليل السنة ودليل الكتاب دليل شرعي فصح أن يخصص كل منهما الآخر.

القول الثاني: أن عموم السنة لا يخصص بالكتاب وقد اختاره بعض الأصوليين، واستدلوا علية بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] فدل ذلك على أن وظيفة البيان هي وظيفة السنة لأن وظيفة السنة هي بيان الكتاب، فعندما نجعل الكتاب مخصصًا للسنة جعلنا الكتاب مبينًا للسنة، بينما الآية قد دلت على أن السنة هي المبينة للكتاب.

وأجيب عن هذا بأن الآية قد دلت على أن السنة تبين الكتاب ولم تمنع الآية أن يكون الكتاب يبين السنة، وحينئذ فلا يصح لكم الاستدلال بمثل هذه الآية.

المسألة الخامسة: هل يصح لنا أن نخصص عموم الكتاب بخبر الآحاد؟ فإذا وردتنا آية عامة ثم وردنا خبر آحاد خاص فهل يصح لنا إن نخصص عموم الكتاب بخبر الآحاد، مثاله قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] هذا عام من الكتاب، ثم وردنا في السنة الآحادية قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا قطع إلا في ربع دينار» [2] فهل يصح لنا أن نخصص عموم الكتاب بالسنة الآحادية؟

لَنَا: إِرَادَةُ الْخَاصِّ أَغْلَبُ مِنْ إِرَادَةِ عُمُومِ الْعَامِّ؛ فَقُدِّمَ لِذَلِكَ، وَأَيْضًا تَخْصِيصُ الصَّحَابَةِ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24 بِـ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» [3] ، وَآيَةَ الْمِيرَاثِ بِـ «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَالْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» [4] .

اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:

القول الأول: قول الجمهور وهو: أنه يصح لنا أن نخصص عموم الكتاب بالسنة الأحادية. واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] ولم يفرق يبن سنة آحادية وسنة متواترة.

الدليل الثاني: أن في القول بالتخصيص إعمالًا للدليلين معا بدليل الكتاب وبخبر الآحاد.

(1) سبقا قريبًا.

(2) سبق قريبًا.

(3) أخرجه البخاري (5109) ومسلم (1408) .

(4) أخرجه البخاري (4283) ومسلم (1614) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت