الصفحة 454 من 917

الدار فأعطه درهما. فكلمة: أحد، نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم. فإذا رأى الخادم ذلك السيد المتكلم داخلًا الدار فهل يحق للخادم أن يعطيه؟ قالوا: يحق له ذلك فإذا رأى الخادم السيد داخلًا الدار وكان السيد هو المتكلم فأعطاه درهما فإن الخادم يعد ممتثلًا و لو قدر أنه لم يعطه لعد الخادم عاصيًا.

القول الثاني في المسألة: أنه إذا كان الخطاب العام من الأخبار فإن المتكلم يدخل في عموم خبره، وأما إذا كان الخطاب العام من باب الأوامر فإن الآمر لا يدخل في عموم خطابه، وهذه يستفاد منها فيما إذا صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ثم

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي الْأَمْرِ، إِذِ الْإِنْسَانُ لَا يَسْتَدْعِي مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَعْلِي عَلَيْهَا. وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا. بِدَلِيلِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر:62] .

لم يفعله، فهل نقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل في عموم خطابه، ومن ثم نبحث عن طريقة للجمع يبن الدليلين، فنقول مثلًا: الأمر لا يدل على الوجوب هنا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، أو نقول: لا تعارض بين الفعل والأمر، لعدم دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمر الصادر منه؟

قال أبو الخطاب: الخطاب العام لا يدخل فيه المتكلم إذا كان أمرًا، أما إذا كان خبرًا فإن المتكلم يدخل في عموم خطابه. قال: لأن الخطاب العام الخبري يشمل المتكلم، بينما الخطاب العام الأمري لا يشمل المتكلم، لأن من شروط الأمر الاستعلاء و لا يمكن أن يستعلى الإنسان على نفسه، ثم حقيقة الأمر أن يطلب الإنسان، وهنا ليس فيه طلب إذ كيف يطلب الإنسان من نفسه.

وهذا الاستدلال فيه نظر، لأنه لا يمتنع أن يطلب الإنسان من نفسه ولا يكون ذلك من الأمور المستحيلة، كما لو طلب مثلًا رئيس القبيلة وقال: من كان من هذه القبيلة فعليه أن يعمل العمل الفلاني. فإن من مقتضى هذا اللفظ أن يدخل هذا المتكلم في عموم خطابه في لغة العرب، لذلك كانت الأدلة السابقة شاملة للأمر كما شملت الخبر.

القول الثالث: أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه سواء كان الكلام أمرًا أو كان خبرًا واستدلوا عليه بقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر:62] . حيث إن الله تعالى لا يدخل في عموم خطابه في قوله: كل شيء، لأنه سبحانه ليس مخلوقًا، إذ لا يمكن أن يخلق الشيء نفسه.

لَنَا: الْمُتَّبَعُ عُمُومُ اللَّفْظِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُ، وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: مَنْ رَأَيْتَ أَوْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا؛ فَرَآهُ فَأَعْطَاهُ، عُدَّ مُمْتَثِلًا، وَإِلَّا عُدَّ عَاصِيًا. أَمَّا مَعَ الْقَرِينَةِ نَحْوَ: فَأَهِنْهُ، أَوْ فَاضْرِبْهُ؛ فَلَا؛ لِأَنَّهَا مُخَصِّصٌ. وَيَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِ الْعَامِّ وَالْعَمَلُ بِهِ فِي الْحَالِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ [1] ، وَالْقَاضِي.

وأجيب عن هذا بأن هذا خارج محل النزاع، لأنه قد وجد معه قرينة، ولذلك نقول في تحرير محل النزاع: إذا كان الخطاب معه قرينة يدل على دخول المتكلم أو عدم دخوله، فإنه يعمل بالقرينة، لكن الخلاف فيما إذ لم يوجد قرينة؛ ولذلك فإن الأظهر أن المتكلم يدخل في عموم خطابه, ولذلك لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال: قالوا: إنك تواصل [2] فقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - أنه يدخل في عموم خطابه، ولذلك حصل عندهم ذلك على سبيل التعارض، فأرادوا أن ينفك ذلك التعارض من أذهانهم.

المسألة الثانية: إذا ورد خطاب عام فهل يجب اعتقاد عموم الخطاب بمجرد وروده وهل يجب العمل بالعام بمجرد وروده أو نتوقف فيه حتى نبحث عن مخصص، ونبحث هل هناك دليل يخصص هذا العام؟

(1) أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص. سبقت ترجمته.

(2) سبق تخريجه ص (452) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت