مثال ذلك قول الصحابي: «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة» [1] فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نهي عن المزابنة في واقعة، فجاء الصحابي فتصرف في النقل فنقل هذه الواقعة بالمعنى، ثم حكاها بلفظ عام، ومثال آخر عندما حكى الصحابي الواقعة وقال: «قضى بالشفعة فيما لم يقسم» [2] . فالراوي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة في قضية واحدة فحكى هذه القضية الواحدة بلفظ العموم، فهل هذا اللفظ يدل على العموم أو لا؟
جماهير أهل الأصول يقولون: هذا اللفظ يدل على العموم، واستدلوا عليه بإجماع الصحابة ومن تبعهم على الاستدلال بهذه الألفاظ على العموم، هم يقولون: إذا قال الصحابي إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في السلم فإن الصحابة أجمعوا على الاستدلال به على العموم وهكذا في بقية الألفاظ.
القول الثاني: قال به طائفة قليلة من أهل الأصول، قالوا: لا نحمل هذا على العموم، لأن هذه القضية في الأساس قضية عين، ومن ثم لا نحملها على
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ خَاصٌّ فَوَهَمَ الرَّاوِي، وَالْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ، لَا فِي لَفْظِ الْحَاكِي.
قُلْنَا: قَضَايَا الْأَعْيَانِ تَعُمُّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِحُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَهْمِ
جميع الأفراد، لأنه يحتمل أن يكون هذا الحكم خاصًا في هذه القضية.
وقالوا أيضًا: يحتمل أنه خاص فوهم الراوي ...: أي أن الراوي توهم أن هذه القضية عامة فنقلها بصيغة العموم، والحجة ليست في كلام الراوي ولكنها في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمه في قضية واحدة، ومن ثم لا نحمل هذا اللفظ على العموم.
وأجيب عن هذا الاستدلال بعدد من الأجوبة:
(1) سبق تخريجه ص (180) .
(2) سبق تخريجه ص (451) .