في الاستثناء كل هذه تدل على ثبوت دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق قطعًا ويقينًا.
الدليل الثالث لهم: قالوا: إن العرب قد استعملت هذه الألفاظ في العموم والخصوص، مثل لفظة: الناس، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة:21] يفيد العموم، بينما قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران:173] لا يراد بها العموم لأن القائل الأول واحد وكلمة (الناس) الثانية يراد بها قريش وبقية الأحزاب ومن ثم لم تفد العموم واستعملت في الخصوص، فإذا كان الأمر كذلك فإن اللفظ مشترك بين العموم والخصوص، وجعل هذا اللفظ دالًا على العموم بدون دليل تحكم على أهل اللغة، وقول بلا دليل.
وأجيب عن هذا: أنه قد قامت الأدلة على إفادة هذه الألفاظ للعموم، واستعمالها في غير العموم إنما كان لوجود دليل وقرينة قارنت هذه الألفاظ فاستعمالها هنا استعمال مجازي، والخلاف بيننا وبينكم إنما هو في الاستعمال الحقيقي لا المجازي.
قوله: واستعمالهم لها: يعني أن استعمال ألفاظ العموم في الخصوص مجاز، والدليل على أنه مجاز حاجة هذه الألفاظ للقرائن.
والواقفية من الأشاعرة ومن وافقهم قالوا بهذا القول بناء على تفسير الكلام فإن الكلام عندهم: هو المعاني النفسية. وأما الألفاظ فإنها لا تدل على شيء بنفسها، وإنما تدل على المعاني بواسطة القرائن والأدلة التي تكون معها، ولذلك قالوا: ألفاظ العموم لا تدل على العموم بنفسها بل تحتاج إلى قرائن.
وَقِيلَ: لَا عُمُومَ فِيمَا فِيهِ اللَّامُ.