القول الثاني: قول المعتزلة قالوا: إن المكره غير مكلف واستدلوا بأدلة:
الدليل الأول: أن الإكراه يرجح الفعل الذي أكره عليه، وبالتالي لا يصح منه إلا ذلك الفعل الذي أكره عليه، ومن ثم هو بمثابة الآلة، والآلة لا يقال: إنها من أهل التكليف، وحينئذ يكون الفعل ليس منسوبًا إلى الشخص المكره، وإنما ينسب الفعل إلى من أكرهه، وبالتالي لا يكون المكره مكلفًا.
اعترض عليهم باعتراض: وهو أنه إذا أتينا لشخص وقلنا له: اقتل فلانًا وإلا قتلناك، فحينئذ المكرَه عنده قدرة على الاختيار والترجيح، فبإمكانه أن يمتنع وبإمكانه أن يرجح بقاء نفسه على بقاء الشخص الآخر ومن ثم لديه اختيار وترجيح. قالوا: وبالتالي القاتل المكره يجب قتله. قالوا: نحن قتلناه ليس لأنه مكلف, ولكن قتلناه لأنه لديه اختيار فهو رجح بقاء نفسه على بقاء غيره، وبالتالي قتلناه من أجل وجود هذا الترجيح.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ، مَنْ رَآهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، إِذْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ وَاجِبَةٌ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالتَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْهَا وَتَركِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، غَيْرُ مَقْدُورٍ،
* قوله: الحق أن الخلاف فيه مبني على مسألة خلق العباد لأفعالهم: يعني أن هذا هو سبب الخلاف في مسألة تكليف المكره، فالأشاعرة يقولون: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وليس للعباد أي اختيار في أفعالهم لأنهم مجبورون على أفعالهم, وبالتالي فإن المكره وغير المكره سواء، لأن الأشاعرة يقولون: الإنسان كورقة الشجر التي تتقاذفها الريح، وبالتالي فعندهم أن حالة الاختيار وحالة الإكراه سواء لأن أفعال العباد مخلوقة لله وليس لهم أي اختيار فيها وهم مجبورون على أفعالهم وبالتالي قالوا: إن المكره مماثل للمختار لأن الجميع مجبرون على أداء ما يفعلون.
والمعتزلة يقولون: أفعال العباد مخلوقة لهم، وحينئذ إذا كان الفعل باختيار الإنسان وكان لدى الإنسان قدرة، فإنه يكون مكلفًا،