عديدات أكثر من الأربع ولم يدخل بهن فحينئذ يصح زواج الأربع الأول وما بعد الأربع لا يصح، قالوا: فهكذا لو أسلم وعنده أربع زوجات قالوا: لأنه ليست إحداهن أولى من الأخرى إلا من جهة تاريخ النكاح
وَرُدَّ بِأَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا وَفَهْمِ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - مِنَ الْمُفَارَقَةِ التَّسْرِيحُ، لَا تَرْكُ النِّكَاحِ، وَبِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا بِهِ، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الْمَرْأَةِ، وَبِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ، فَهَذِهِ قَرَائِنُ تَدْفَعُ تَأْوِيلَهُمْ،
فحينئذ نثبت الأوليات بحسب تاريخ الزواج، وعضدوا قولهم بأنه يمسك بالأوليات ويفارق الأخيرات بالقياس، وذلك أنه لو قدر أن الإمساك بالاختيار لما كان هناك مرجح للمختارات على غيرهن, فليس بعضهن أولى بالإمساك من بعض إلا من جهة التاريخ.
قال الحنفية: أما إذا عقد عليهن في عقد واحد فإنه يجب عليه مفارقة الجميع، وإذا أراد منهن امرأة بعد ذلك عقد عليها عقدًا جديدًا.
* قوله: ورد: أي رد هذا التأويل بأمور:
الأول: قالوا هذا التأويل بعيد ويحتاج إلى دليل قوي وقياسكم هذا فيه ضعف ومن ثم لا يصح أن نثبت التأويل به.
الثاني: أن السابق إلى فهمنا وفهم الصحابة - رضي الله عنهم - من قوله - صلى الله عليه وسلم: «وفارق سائرهن» هو الاحتمال الراجح أنه يريد المفارقة للمدخول بهن، وليس المراد به ترك ابتداء النكاح.
الثالث: أنه فوض الأمر إلى الزوج، فقال له: امسك وفارق، ولم يقل له: تحصل الفرقة بمجرد ذلك، فنسب الإمساك والتفريق إلى اختيار الزوج المسلم وإلى فعله هو إمساكًا ومفارقة، فجعل الإمساك والتفريق بيد الزوج ولم يجعله راجعًا للقضاء، ولم يقل له: ينفسخ النكاح بدون اختيار منك.
الرابع: أن ابتداء النكاح لا يستقل به الزوج، بل لابد من رضا الزوجة
وَكَتَأْوِيلِهِمْ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عَلَى الْأَمَةِ ثُمَّ صَدَّهُمْ: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» [1] ، إِذْ مَهْرُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا، لَا لَهَا،
وشهادة الشهود، فدل على أن قوله: امسك. ليس معناه اعقد عليهن عقدًا جديدًا، وإنما المراد به إمساك بدون عقد جديد، ولا يصح حمله على ابتداء النكاح إذ لو كان هو المراد كما تقولون يا أيها الحنفية: أنه يبتدئ عقدًا جديدًا، لكان لابد فيه من رضا المرأة ولابد فيه من ولي ولا بد من مهر، وهذا يناقض ظاهر الحديث فإن في الحديث قرينة تدل على أن الإمساك من اختيار الزوج وليس للمرأة ولا لأوليائها اختيار في ذلك، وليس المراد ابتداء النكاح من جديد فلو كان كما تقولون: لقال: انكح أربعًا ممن شئت. لكن لم يقل ذلك، وإنما قال: امسك، فدل ذلك على أن المراد مجرد الإمساك بدون عقد جديد، إذا لو كان المراد عقدًا جديدًا لجاز له أن يأخذ من الثماني اللاتي عنده، ومن غيرهن، ولقال: تزوج أربعًا، سواء منهن أو من غيرهن، فلما لم يقل ذلك دل على أنه ليس المراد ابتداء عقد جديد، وإنما المراد الإبقاء على أربع زوجات من القديمات، فهذه قرائن متعددة تدل على بطلان تأويل الحنفية.
وكتأويلهم: «أيما امرأةٍ أنكحت نفسها ...: هذا مثال آخر على أن اللفظ يكون معه قرائن تدل على حمله على ظاهره وتمنع من تأويله وحمله على المعنى المرجوح، وهو في مسألة النكاح بلا ولي، على أن النكاح لابد فيه من ولي، وبذلك قال مالك والشافعي وأحمد واستدلوا بأدلة منها حديث: «أيما امرأةٍ أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (1) .
(1) أخرجه ابن ماجه (1953) وابن حبان (4158) .