الثَّالِثُ: الْحِكْمَةُ، كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ،
إذن عرفنا الفرق بين المقتضىَ وهو الأثر والنتيجة، والمقتضي وهو المسبب والمنتج.
يقول هؤلاء: نجد بعض الفقهاء يقولون السرقة علةٌ للقطع وليس في هذه الكلمة إشارة إلى الشروط ولا إلى الأركان ولا إلى المحل ولا إلى غير ذلك، هذا دل على أن لفظة العلة قد تطلق ويراد بها مقتضي الحكم فقط.
المعنى الثالث من معاني العلة: الحكمة. فبعض الفقهاء يقولون: علة المسألة كذا وهم يريدون الحكمة، فمثلًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» [1] فقوله - صلى الله عليه وسلم: من أجل، أداة تعليل، فحينئذ يكون الحكم هو وجوب الاستئذان أو تحريم الدخول، والبصر هنا هو المقتضي للحكم وهو وجوب الاستئذان. ما هي الحكمة؟ حفظ الأعراض.
فإن قال قائل: العلة في وجوب الاستئذان أو تحريم الدخول هي حفظ الأعراض. كلمة العلة في كذا، لا يراد بها المعنى الاصطلاحي، وإنما يراد بها أحد معاني كلمة: (العلة) عند الفقهاء وهو الحكمة.
وكأن المؤلف يقول: انتبه إذا وجدت كلمة: (العلة) عند الفقهاء فإنهم يريدون بها إطلاقات متعددة فلا تحملها على أحد هذه الإطلاقات إلا بدليل.
* قوله: كمشقة السفر للقصر والفطر: المسافر يجوز له القصر، هل العلة هي المشقة؟
لا، إنما المشقة حكمة, والسفر هو العلة، فعند قول الفقهاء: علة الفطر في السفر المشقة، فإنهم يقصدون بكلمة العلة هنا: الحكمة.
وَالدَّيْنِ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَالْأُبُوَّةِ لِمَنْعِ الْقِصَاصِ.
* قوله: والدين لمنع الزكاة: وذلك لأن الموانع على نوعين:
(1) أخرجه البخاري (5924) ومسلم (2156) .