* وقال عامر بن صالح عن هاشم بن عروة: إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئًا فظهرت به قرحة، ثم ترقى به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله اقطعها، قال: دونك. فدعا له الطبيب وقال له: اشرب المرقد فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حس حس، فقال الوليد: ما رأيت شيخًا أصبر من هذا.
وأصيب عروة في هذا السفر بابنه محمد، ركضته بغلة في إسطبل فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } [الكهف: 62] ، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثًا، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت [1] .
رضيت عن الله
خرج رجل من بني عبس يبحث عن إبله التي ضلت، فذهب والتمسها، ومكث ثلاثة أيام في غيابه، وكان هذا الرجل غنيًا، أعطاه الله ما شاء من المال والإبل والبقر والغنم والبنيين والبنات، وكان هذا المال والأهل في منزل رحب، على ممر سيل في ديار بني عبس، في رغد وأمن أمان، لم يفكر والدهم ولم يفكر أبناؤه أن الحوادث قد تزورهم، وأن المصائب قد تجتاحهم.
يا راقد الليل مسرورًا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
نام الأهل جميعًا كبارهم وصغارهم، معهم أموالهم في أرض مستوية، ووالدهم غائب يبحث عن ضالته، وأرسل الله عليهم سيلًا جارفًا لا يلوى على شيء، يحمل الصخور كما يحمل التراب، ومر عليهم في آخر الليل، فاجتاحهم جميعًا، واقتلع بيوتهم من أصلها، وأخذ الأموال معه جميعًا، وأخذ الأهل جميعًا، وزهقت أرواحهم مع تدفق الماء، وصاروا أثرًا بعد عين، فكأنهم لم يكونوا، صاروا حديثًا يتلى على اللسان.
(1) تاريخ الإسلام (6/247) .