ثم قال ابن عابدين: ولا يخفى أن في قولهما - أي .. أبي حنيفة ، ومحمد - في هذا الزمان حرجًا عظيمًا ، لما علمته من لزوم هذه المحظورات ، وقد رَكَزَ هذا العرف في عقولهم من:عالم … وجاهل ، وصالح … وطالح ، فيلزم منه تفسيق أهل العصر ، فيتعين الإفتاء بذلك على هذه الرواية عن أبي يوسف ] (1) .
أما إذا خالف العرف ما هو ظاهر الرواية ، فيقول ابن عابدين:
[ إعلم أن المسائل الفقهية ..
إما: أن تكون ثابتة بصريح النص - وهي ما تقدم - .
وإما: أن تكون ثابتة بصريح: اجتهاد ، ورأي … وكثير منها ما يبينه المجتهد على عرف أهل زمانه ، بحيث لو كان في زمن العرف الحادث ، لقال بخلاف ما قاله أولًا .
ولهذا قالوا: من شروط الاجتهاد أن لابد فيه من معرفة عادات الناس ، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان ، لتغيِّر: عرف أهله ، أو لحدوث ضرورة ، أو فساد أهل الزمان ، … بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على: التخفيف ، والتيسير ، ورفع الضرر والفساد .. لبقاء العالم على أتم نظام ، وأحسن إحكام .
ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه ، لعلمهم بأنهم لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به ، أخذًا من قواعد مذهبه .
فمن ذلك: إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعايم القرآن ونحوه ، لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول ، ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين ، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم ، وكذا على الإمامة والأذان كذلك ، مع أن ذلك مخالف لما اتَّفق عليه أبو حنيفة .. وأبو يوسف .. ومحمد ، من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه ، كبقية الطاعات .
(1) باختصار عن نشر العرف لابن عابدين -2/112-115 من مجموع رسائله.