[ فكأنه قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فلا تعلمون من أنفع لكم ، من يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم ، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنونها بعقولكم ، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه …، والنفع على هذا - وما يزال الكلام للالوسي- أعم من الدنيوي والأخروي . وانتفاع بعضهم لبعض يكون بالإنفاق عليه ، والتربية له ، والذب عنه مثلًا ، وانتفاعهم في الآخرة يكون بالشفاعة … ] (1) .
قلت /
فالمنفعة - إذن - في تعبير القرآن واستعماله ، شملت ما اعتيض عنها بمال وبغيره ، فما قصدت الأشياء في يوم ما لذاتها ، بل لمنافعها ، ومنافعها اعتيض عنها بما يقوم به المحل الذي هو وسيلة لسبب الاعتياض .
فقوله تعالى - عن الخمر والميسر -: { ... وإثمهما أكبر من نفعهما … } (2) ، فان النفع ليس في ذات تملك الخمرة ، بل في شربها وصولًا إلى منفعتها .. كالحمرة ، وصفاء البشرة ، والتحلي بالشجاعة ، والكرم ، وقوة الباه … الخ ، وكذا الحال في كل عينٍ تُطلب ، فلا تُطلب إلا لمنفعتها ، وجعلت لتلك المنافع أثمانًا .
ولكن من وجهة نظري /
لما كانت تلك المنافع متفاوتة في أهميتها من إنسان إلى إنسان ، فثمنيتها تكون غير منضبطة ، فلا تجعل: [ سببًا ] ، ولا [ علة ] .. للتملك ، ولا محلًا للإعتياض ، وذلك:
لعدم الانضباط: فأقيم المنضبط مكانها دفعًا للجهالة ، ومن باب إقامة السبب مقام المسبب .
ولجعل الأحكام تجري في مضمار واحد ، وفي سياق متسق .
فكما أن الشارع يعتد بالنية وعليها مدار أحكامه - وهذا معلوم لا مراء فيه - ، وهي غير ظاهرة ، فقد جعل الوصول إليها مرهونًا بوجود أمور ، هي:
اللفظ .. كألفاظ العقود .
الفعل .. كما في بيع [ التعاطي ] .
الآلة .. كما في تحديد: العمد من القتل ، والخطأ ، وشبه العمد .
دلالة الحال .. كالسكوت في معرض البيان .
(1) روح المعاني- 4 / 228 .
(2) البقرة / 219 .